اخرالاخبار

بيدي لا بِيَدِ وَلَدي

الاثنين, 18 مارس 2013 14:09 عدد المشاهدات : 1073 اراء حرة - الرأي
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 


بخطوات مثقلة وأيادٍ مرتعشة، تَحَامَل على نفسه ليقطع الشارع المليء بالسيارات المسرعة، فعلامات تقدّم العمر التي خَطّت بصماتها ورَسَمت خطوطها على وجهه النحيل الشاحب ظاهرة للعيان. لمحته وهو يزيح أوراق الشجر من على الأرض ليجلس مستظلاً تحت إحدى الأشجار بعد وقفةِ عناءٍ أمام أحد التقاطعات التي اعتاد على التسول أمامها. جلس القرفصاء، ونظراته الشاردة ترمق السيارات المسرعة من حوله، وكل ما مرَّ به شخصٌ رَفَع يده مستعطفاً ومن ثم يغفو إلى أن توقظه حركةُ شخصٍ بالقرب منه.
كان الرجل المسن يمني نفسه، وهو في هذا العمر، أن يرتاح في منزله ووسط أولاده؛ فهو قد تَعِبَ بما فيه الكفاية في سنوات شبابه حتى ينشئ أسرةً ويتزوج ويمتلك بيتاً، فهذا الأمر ليس بالشيء السهل؛ حلم بعيد المنال في ظروفٍ أصبحت حالكة. تذكَّرت مقولة لأحد الخواجات عندما التقى بأحد السودانيين في المهجر أثناء دراسته، سأله عن أحلامه فقال له السوداني: حلمي أن أشتغل وأتزوج وأمتلك منزلاً! تفاجأ الخواجه وقال له باستغراب: أنا لم أسألك عن حقوقك لكن أسألك عن طموحك!. فشتَّان ما بين الطموح والحقوق في السودان؛ فهنا الطموح، كلّ الطموح، العمل وبناء المنزل والسيارة لمن استطاع إليها سبيلا. لست أدري لماذا مُنِعَ استيراد السيارات المستعملة وكل دول العالم تجوبها السيارات المستعملة! قالوا السبب الدولار، كم أنت مظلوم أيّها الدولار الذي يُعلّق عليك الكثيرون فشل سياستهم.
لا أحد في السودان طموحه أن يكتشف أو يبحث أو يصنع أو يضيف أو يخترع شيئاً جديداً لفائدة البشرية، وإن وُجِدَ فلن يجد الإمكانيات التي تساعده، شأننا شأن أغلب الدول العربية؛ دونكم إسرائيل، فميزانية البحث العلمي التي تُخَصّصها سنوياً تفوق إجمال ما تخصصة الدول العربية مجتمعة، فأي طموح ننتظر؟.
خطواتى المسرعة أيقظت الرجل المسن من غفوته فمَدَّ يده وبصوته الخافت قال (مساعدة). دسست في يده شيئاً من مال الله وقلت له: لماذا أنت هنا وأنت في هذا العمر؟؟ وكان ينبغي أن تكون معززاً مكرماً في منزلك؟؟ نظر إليَّ ملياً وقال: يا ولدي أول مرة زول يسألني السؤال ده، لأنّوا الناس بتفتكر إنو صَعَب عليّ أتقبلوا، بل بالعكس، سؤال في محلوا يمكن لمَّا أَجَاوِب غِيْرِي يِسمَع و يِتْعَلَّم ولا يِقَع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه؛ فأنا بالرغم من أنني تزوَّجت مبكراً، إلا أنّني لم أُحسِن تربية أولادي، لم أهتم بتعليمهم نسبةً لظروف الحياة، كنت أحرص على توفير ما يحتاجونه من طعام، ولم أهتم يوماً أن يتعلموا حتى القرآن أو الصلاة، فكبروا وانحرفوا مع أصدقاء السوء؛ أكبرهم مسجون في قضية مخدرات، والآخر مختفى بعد أن سرق من الرجل الذي كان يعمل معه في دكان، والاثنان الباقيان لا أعرف أين هم، والحمد لله البنت تزوجها أحد أقربائنا وتسكن في إحدى الولايات وزوجتي توفيت إلى رحمة مولاها منذ سنوات. لم أكتنـز شيئاً لأصرف منه في كبري، فقد ظننت أن أولادي سيتكفلون بي، فأفقت بعد هذا العمر على هذا الواقع الذي تراه الآن فاضررت للتسول لأعيش. وبعبارات حزينة، قبل أن تسقط دمعة من عينيه، قال: لا أخفي عليك إن قلت لك أنني قررت طائعاً مختاراً أن أذهب إلى دار المسنين قبل أن يقودنى إليه أولادى وأنا مكرهاً!!.

بكري خليفة



.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine
الرأي
صورة
النتيجة النهائية

  *  التاريخ الإنساني يسجل أنماطاً وأساليب عديدة لنيل الحكم وتولي السلطة، منها التوريث، ومنها حق الانتخاب المغلق  كما في تجارب رومانية...
اقرأ المزيد...
صورة
هدنة مع الرواية

  مع رواية نادرة كموسم الهجرة إلى الشمال أو قاصّ فريد كالمصري النوبي حجاج حسن أدول أبدو مضطرّاً لعقد هدنة مع مشاعري العدائية تجاه الأعمال...
اقرأ المزيد...
صورة
نوم العوافي

  الصحف التي صدرت ثالث ورابع أيام الانتخابات أشارت إلى ضعف إقبال الناخبين على مراكز الاقتراع مقارنة باليوم الأول.الجولات الميدانية التي...
اقرأ المزيد...
صورة
الراسطات والفارات!

  تظل الأمثال السودانية حالة إبداعية خاصة تعبر عن الكثير من الواقع وهي مثل البصمة الخاصة، ويمكن أن تفصل المثل وقفاً للحالة التي تواجهك،...
اقرأ المزيد...
صورة
بين موسمين

  * في مثل هذا الوقت قبل خمس سنوات وأعني موسم انتخابات (2010 م) كان أهالي وسكان ولاية جنوب كردفان يتعرضون لتهديد صريح ومباشر مما يسمى بالحركة...
اقرأ المزيد...
صورة
صوت سوار الذهب

  * في مثل هذا اليوم 6 أبريل من العام 1985، انطلق عبر أثير راديو أم درمان، ومن وسط المارشات العسكرية، صوت الفريق أول عبد الرحمن محمد حسن سوار...
اقرأ المزيد...
اعمدة الكتاب
صورة
قَسَم كرتي!
-1-قبل عام من الآن، أجريتُ ومعي الصحفية النابهة لينا يعقوب، حواراً ساخناً مع وزير الخارجية المحترم السيد علي كرتي، وسألته أثناء الحوار:لا...
اقرأ المزيد...
صورة
معالم الطريق الثالث!!
:: تتجاوز سرعة الغزال في بعض الحالات (100 كم)، ولكن سرعة النمر لا تتجاوز في أي من الأحوال (70 كم)، ومع ذلك - في تاريخ الصراع من أجل البقاء - لم...
اقرأ المزيد...
صورة
فرصة وضاعت!
هل كان ممكناً أن تفكر المعارضة... المعارضة كلها "دون فرز"... أحزاب سلمية وحركات مسلحة ومنشقون و(حردانين) في أفكار جديدة لتستفيد من مرحلة...
اقرأ المزيد...
صورة
المريخ يستضيف النسور في مشواره لاسترداد صدارة الممتاز
*يعود المريخ الذي يديره فنياً مدرب خبير وكبير ومقتدر وله صولات وجولات اسمه غارزيتو يعود للسباق المحلي بعد أن حسم جولة الذهاب الإفريقي...
اقرأ المزيد...
صورة
ملاحظات بقلم الرصاص!
-1-خطوة في الاتجاه الصحيح، أن يشرع المؤتمر الوطني في تكوين لجنة لدراسة نتائج الانتخابات.من الطبيعي أن تحمِلَ هذه النتائج ونسب المشاركة...
اقرأ المزيد...
صورة
أُولو العزم والوعي!
:: قبل أسبوع من الاقتراع، عندما كانت عيون الناس والصحافة تُحدِّق في أحداث دائرة دنقلا القومية وما بها من تنافس مفتوح بين مرشح المؤتمر...
اقرأ المزيد...