اخرالاخبار

بيدي لا بِيَدِ وَلَدي

الاثنين, 18 مارس 2013 14:09 عدد المشاهدات : 1029 اراء حرة - الرأي
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 


بخطوات مثقلة وأيادٍ مرتعشة، تَحَامَل على نفسه ليقطع الشارع المليء بالسيارات المسرعة، فعلامات تقدّم العمر التي خَطّت بصماتها ورَسَمت خطوطها على وجهه النحيل الشاحب ظاهرة للعيان. لمحته وهو يزيح أوراق الشجر من على الأرض ليجلس مستظلاً تحت إحدى الأشجار بعد وقفةِ عناءٍ أمام أحد التقاطعات التي اعتاد على التسول أمامها. جلس القرفصاء، ونظراته الشاردة ترمق السيارات المسرعة من حوله، وكل ما مرَّ به شخصٌ رَفَع يده مستعطفاً ومن ثم يغفو إلى أن توقظه حركةُ شخصٍ بالقرب منه.
كان الرجل المسن يمني نفسه، وهو في هذا العمر، أن يرتاح في منزله ووسط أولاده؛ فهو قد تَعِبَ بما فيه الكفاية في سنوات شبابه حتى ينشئ أسرةً ويتزوج ويمتلك بيتاً، فهذا الأمر ليس بالشيء السهل؛ حلم بعيد المنال في ظروفٍ أصبحت حالكة. تذكَّرت مقولة لأحد الخواجات عندما التقى بأحد السودانيين في المهجر أثناء دراسته، سأله عن أحلامه فقال له السوداني: حلمي أن أشتغل وأتزوج وأمتلك منزلاً! تفاجأ الخواجه وقال له باستغراب: أنا لم أسألك عن حقوقك لكن أسألك عن طموحك!. فشتَّان ما بين الطموح والحقوق في السودان؛ فهنا الطموح، كلّ الطموح، العمل وبناء المنزل والسيارة لمن استطاع إليها سبيلا. لست أدري لماذا مُنِعَ استيراد السيارات المستعملة وكل دول العالم تجوبها السيارات المستعملة! قالوا السبب الدولار، كم أنت مظلوم أيّها الدولار الذي يُعلّق عليك الكثيرون فشل سياستهم.
لا أحد في السودان طموحه أن يكتشف أو يبحث أو يصنع أو يضيف أو يخترع شيئاً جديداً لفائدة البشرية، وإن وُجِدَ فلن يجد الإمكانيات التي تساعده، شأننا شأن أغلب الدول العربية؛ دونكم إسرائيل، فميزانية البحث العلمي التي تُخَصّصها سنوياً تفوق إجمال ما تخصصة الدول العربية مجتمعة، فأي طموح ننتظر؟.
خطواتى المسرعة أيقظت الرجل المسن من غفوته فمَدَّ يده وبصوته الخافت قال (مساعدة). دسست في يده شيئاً من مال الله وقلت له: لماذا أنت هنا وأنت في هذا العمر؟؟ وكان ينبغي أن تكون معززاً مكرماً في منزلك؟؟ نظر إليَّ ملياً وقال: يا ولدي أول مرة زول يسألني السؤال ده، لأنّوا الناس بتفتكر إنو صَعَب عليّ أتقبلوا، بل بالعكس، سؤال في محلوا يمكن لمَّا أَجَاوِب غِيْرِي يِسمَع و يِتْعَلَّم ولا يِقَع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه؛ فأنا بالرغم من أنني تزوَّجت مبكراً، إلا أنّني لم أُحسِن تربية أولادي، لم أهتم بتعليمهم نسبةً لظروف الحياة، كنت أحرص على توفير ما يحتاجونه من طعام، ولم أهتم يوماً أن يتعلموا حتى القرآن أو الصلاة، فكبروا وانحرفوا مع أصدقاء السوء؛ أكبرهم مسجون في قضية مخدرات، والآخر مختفى بعد أن سرق من الرجل الذي كان يعمل معه في دكان، والاثنان الباقيان لا أعرف أين هم، والحمد لله البنت تزوجها أحد أقربائنا وتسكن في إحدى الولايات وزوجتي توفيت إلى رحمة مولاها منذ سنوات. لم أكتنـز شيئاً لأصرف منه في كبري، فقد ظننت أن أولادي سيتكفلون بي، فأفقت بعد هذا العمر على هذا الواقع الذي تراه الآن فاضررت للتسول لأعيش. وبعبارات حزينة، قبل أن تسقط دمعة من عينيه، قال: لا أخفي عليك إن قلت لك أنني قررت طائعاً مختاراً أن أذهب إلى دار المسنين قبل أن يقودنى إليه أولادى وأنا مكرهاً!!.

بكري خليفة



.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine
الرأي
صورة
شارع الحمرا وشارع السودا

  يجلس المعارض السوري شديد الثقة والثبات والانزعاج في برنامج "الاتجاه المعاكس" أمام نظيره اللبناني لا ليسبّ نظام بلاده أو النظام...
اقرأ المزيد...
صورة
"الحكومة دقست"!

  لا بأس من الابتعاد قليلا عن السياسة ومنغصاتها والكتابة عن مواضيع أخرى ليست بعيدة أيضا.. أعلم أن مجالسنا البرلمانية والتشريعية لا تسر...
اقرأ المزيد...
صورة
عراريق وسراويل!

  حظي إعلان محلية شرق النيل مدفوع القيمة عن مشروع تطوير المسايد والخلاوي، باهتمام غير مسبوق في وسائل التواصل الاجتماعي وكان مسار سخرية...
اقرأ المزيد...
صورة
الخليج في مواجهة لبنان ومصر

  الشيء الوحيد الذي يقف أمام الإغراء بمهاجمة العرب على استنساخ برامج اكتشاف المواهب الأمريكية هو أن تلك بدعة طالت العالم أجمع حتى الدول...
اقرأ المزيد...
صورة
كيف يتباهى الآخرون بالعروبة؟

  يقول توماس إريكسن: "يتعلق أحد الأمثلة بإعادة بناء التاريخ الذي كان ناجحاً بصورة جزئية فقط بالمسلمين في الموريشيوس، مكونين 16 إلى 17 في...
اقرأ المزيد...
صورة
حبوبتي أمريكية!

  زميلنا محمد محمود، الصاعد بقوة إلى عالم الصحافة، مازحه الزملاء قبل بضعة أيام، بعد أن زاره في صحيفة (السوداني) أحد المرشحين لرئاسة...
اقرأ المزيد...
اعمدة الكتاب
صورة
أبكيتنا يا حيدر
نحن أحياء هذا الصباحهنا لم نزلقد بكينا طويلا طوال الظلامعلى من بكىوعلى من قتلوكنا على ثقةليس أقسى علينا من الياسأقسى علينا من اليأس إلا...
اقرأ المزيد...
صورة
شكراً الدكتور حسن التجاني
شهادة مذهبة منحها لي د.حسن التجاني الاسبوع الماضي عبر زاويته المقروءة بصحيفة الانتباهة (وهج الكلم)، تلك الشهادة والاشادة التي وصفتها...
اقرأ المزيد...
صورة
من مصر (7)
كانت جلسة بطعم ومذاق وادي النيل في فيلا السفير عبد المحمود عبد الحليم في المعادي، جلسة سودانية مصرية تبادلنا فيها الآراء والأفكار...
اقرأ المزيد...
صورة
وعادت روح البطل
*أكدت مباراة الأمس التي خاضها مريخ السودان أمام عزام التنزاني وكسبها الأحمر بثلاثية نظيفة أحرزها العقرب وضفر ووانجا، وقدم أبطال المريخ ...
اقرأ المزيد...
صورة
ليست (قذرة) يا مو!
‏ صديقنا محمد عثمان إبراهيم الكاتب بـ(السوداني) المعروف في قائمة الأصدقاء بـ (مو)، تناول في أول مقال له بعد عودته من السودان إلى مقر...
اقرأ المزيد...
صورة
(بخور التيمان مثلاً؟)
:: الصبي -بالمحل التجاري- لم يكن يتقن فن التعامل مع الزبائن، وكثيراً ما كان يقابل طلبات الزبائن بكلمتين جافتين: (مافي) و(ماعندنا).. وأراد...
اقرأ المزيد...