اخرالاخبار

بيدي لا بِيَدِ وَلَدي

الاثنين, 18 مارس 2013 14:09 عدد المشاهدات : 889 اراء حرة - الرأي
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 


بخطوات مثقلة وأيادٍ مرتعشة، تَحَامَل على نفسه ليقطع الشارع المليء بالسيارات المسرعة، فعلامات تقدّم العمر التي خَطّت بصماتها ورَسَمت خطوطها على وجهه النحيل الشاحب ظاهرة للعيان. لمحته وهو يزيح أوراق الشجر من على الأرض ليجلس مستظلاً تحت إحدى الأشجار بعد وقفةِ عناءٍ أمام أحد التقاطعات التي اعتاد على التسول أمامها. جلس القرفصاء، ونظراته الشاردة ترمق السيارات المسرعة من حوله، وكل ما مرَّ به شخصٌ رَفَع يده مستعطفاً ومن ثم يغفو إلى أن توقظه حركةُ شخصٍ بالقرب منه.
كان الرجل المسن يمني نفسه، وهو في هذا العمر، أن يرتاح في منزله ووسط أولاده؛ فهو قد تَعِبَ بما فيه الكفاية في سنوات شبابه حتى ينشئ أسرةً ويتزوج ويمتلك بيتاً، فهذا الأمر ليس بالشيء السهل؛ حلم بعيد المنال في ظروفٍ أصبحت حالكة. تذكَّرت مقولة لأحد الخواجات عندما التقى بأحد السودانيين في المهجر أثناء دراسته، سأله عن أحلامه فقال له السوداني: حلمي أن أشتغل وأتزوج وأمتلك منزلاً! تفاجأ الخواجه وقال له باستغراب: أنا لم أسألك عن حقوقك لكن أسألك عن طموحك!. فشتَّان ما بين الطموح والحقوق في السودان؛ فهنا الطموح، كلّ الطموح، العمل وبناء المنزل والسيارة لمن استطاع إليها سبيلا. لست أدري لماذا مُنِعَ استيراد السيارات المستعملة وكل دول العالم تجوبها السيارات المستعملة! قالوا السبب الدولار، كم أنت مظلوم أيّها الدولار الذي يُعلّق عليك الكثيرون فشل سياستهم.
لا أحد في السودان طموحه أن يكتشف أو يبحث أو يصنع أو يضيف أو يخترع شيئاً جديداً لفائدة البشرية، وإن وُجِدَ فلن يجد الإمكانيات التي تساعده، شأننا شأن أغلب الدول العربية؛ دونكم إسرائيل، فميزانية البحث العلمي التي تُخَصّصها سنوياً تفوق إجمال ما تخصصة الدول العربية مجتمعة، فأي طموح ننتظر؟.
خطواتى المسرعة أيقظت الرجل المسن من غفوته فمَدَّ يده وبصوته الخافت قال (مساعدة). دسست في يده شيئاً من مال الله وقلت له: لماذا أنت هنا وأنت في هذا العمر؟؟ وكان ينبغي أن تكون معززاً مكرماً في منزلك؟؟ نظر إليَّ ملياً وقال: يا ولدي أول مرة زول يسألني السؤال ده، لأنّوا الناس بتفتكر إنو صَعَب عليّ أتقبلوا، بل بالعكس، سؤال في محلوا يمكن لمَّا أَجَاوِب غِيْرِي يِسمَع و يِتْعَلَّم ولا يِقَع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه؛ فأنا بالرغم من أنني تزوَّجت مبكراً، إلا أنّني لم أُحسِن تربية أولادي، لم أهتم بتعليمهم نسبةً لظروف الحياة، كنت أحرص على توفير ما يحتاجونه من طعام، ولم أهتم يوماً أن يتعلموا حتى القرآن أو الصلاة، فكبروا وانحرفوا مع أصدقاء السوء؛ أكبرهم مسجون في قضية مخدرات، والآخر مختفى بعد أن سرق من الرجل الذي كان يعمل معه في دكان، والاثنان الباقيان لا أعرف أين هم، والحمد لله البنت تزوجها أحد أقربائنا وتسكن في إحدى الولايات وزوجتي توفيت إلى رحمة مولاها منذ سنوات. لم أكتنـز شيئاً لأصرف منه في كبري، فقد ظننت أن أولادي سيتكفلون بي، فأفقت بعد هذا العمر على هذا الواقع الذي تراه الآن فاضررت للتسول لأعيش. وبعبارات حزينة، قبل أن تسقط دمعة من عينيه، قال: لا أخفي عليك إن قلت لك أنني قررت طائعاً مختاراً أن أذهب إلى دار المسنين قبل أن يقودنى إليه أولادى وأنا مكرهاً!!.

بكري خليفة



.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine
الرأي
صورة
زُرْق العيون والأوجه السود

  من بين سائر ما هو قابل للتهجين بين العرقين الأسود والأبيض (على وجه العموم ودون الاستناد إلى مرجعية أكاديمية بالضرورة في تصنيف السلالات)...
اقرأ المزيد...
صورة
"هملة" السجل الصحفي!!

  قبل بضع سنوات سمعت إحدى المذيعات تسأل الباشمهندس عثمان ميرغني "بعد ما حققته من نجاح في مجال الكتابة هل كنت تتمنى لو درست إعلام أو صحافة؟"...
اقرأ المزيد...
صورة
الجن بنداوى.. كعبة الاندراوة..!

  العنوان أعلاه مثل سوداني ضارب في الجذور ومناسبته خبران حملتهما صحف الخرطوم، الخبر الأول نشرته (السوداني) في عدد الأربعاء الماضي بعنوان...
اقرأ المزيد...
صورة
الشخصية الموريتانية

  عمرو منير دهب  بدا الموريتاني مستغرباً عندما قصدت جناح بلاده في معرض أبوظبي أسأله كتاباً عن الشخصية الموريتانية، وكأنني أردت بذلك شكلاً...
اقرأ المزيد...
صورة
هذا كل ما لدى الحياة

  تصبح عجوزاً عندما تدرك أن هذا هو كلّ ما لدى الحياة، بمعنى أنك لن تحصل على المتعة المشتهاة إلى الأبد وأن سرعة تسرُّب الملل إلى نفسك تفوق...
اقرأ المزيد...
صورة
رفقاً بالضفادع..!

  نال (القعوي) -ومفرده (قعوية) بالعامية السودانية أو بالعربية الفصحى (ضفدعة) وجمعها ضفادع- شهرة واسعة النطاق بعد تصريح لوزير الصحة بولاية...
اقرأ المزيد...
اعمدة الكتاب
صورة
أين الدولة؟
:: يومياً، نقرأ أو نسمع تصريحاً غير موفق وصادراً عن وزارة الصناعة حول شركة سكر كنانة.. وكأن هذه الوزارة لا تتقن الحديث أو لم تعد مسؤولة إلا...
اقرأ المزيد...
صورة
الدولة الغشيمة
(1 )سمعنا بالدولة القوية والدولة الضعيفة سمعنا بالدولة الفاشلة والدولة الراشدة   وكنا قد سمعنا قبل كل ذلك  بالدولة المتقدمة والدولة...
اقرأ المزيد...
صورة
(مأساة) المبدعين.!
توقفت أكثر من مرة عند ذلك الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء والصحف المصرية والذي كشف عن اتصال هاتفي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي...
اقرأ المزيد...
صورة
(الطمع ودر ما جمع)
-1-اطلعت على تعقيبات وتعليقات عديدة على ما قيل أنها وثيقة مسربة من اجتماع سري لقيادات عسكرية ومدنية في الحكومة السودانية.تبدو عدة ملاحظات...
اقرأ المزيد...
صورة
رفض مع الناس..!!
:: تعقيباً على زاوية البارحة التي كانت بعنوان (كأس إيبولا)، والتي تناولت مخاطر استضافة نهائيات كأس الأمم الإفريقية.. الدكتور معتصم جعفر،...
اقرأ المزيد...
صورة
إنه الاقتصاد يا..
في هذه السلسلة حاولنا استشراف مآلات الأوضاع في بلادنا منطلقين من فرضية أن انفصال الجنوب الذي تم منذ أربع سنوات صنع واقعا جديدا يتطلب...
اقرأ المزيد...