اخرالاخبار

الفتح مدينة تحاصرها النفايات ويغزوها الذباب

الجمعة, 17 فبراير 2012 13:27 عدد المشاهدات : 1941 صفحات متخصصة - تحقيق
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 4
سيئجيد 

الفتح
مدينة تحاصرها النفايات ويغزوها الذباب
تحقيق: ياسر الكُردي
تصوير: إشراقة مكي
أبسط ما توقعته وأنا أهمُّ بدخول مدينة الفتح لأول مرة في حياتي، أن أجد بها شبكتي مياه وكهرباء لأنهما من أساسيات مقومات (الفُرقان) ناهيك عن المُدن، تلك ناحية، أما الأخرى فإن (الفتح) لا تبعد من مدينة الثورة – أم درمان- سوى كيلو مترات، فلكُم أن تتخيلوا مدينة تشكِّل جزءا من مكوِّنات (عاصمة!) وفي القرن الحادي والعشرين، تتسابق داخلها عربات (الكارو!!) مُحمَّلة بمياه الشُرب والطهي والوضوء، أيضاً تعيش (مدينة الفتح!!) في ظلامٍ دامس يجعلها أشبه بقُرى القرون الوُسطى. لكن كل هذا (كوم) وجبال النفايات التي ترقد شمال الفتح وتُرى بالعين المُجرَّدة من على عشرة كيلو مترات؛ كوم آخر، وأخطر ما فيها أنها أضحت مرتعاً لأطفال صغار تركوا مقاعد الدراسة وجاءوا لجبال النفايات هذه بحثاً عن قوارير بلاستيكية فارغة يبعونها للتجار بثمنٍ بخس، دافعهم لذلك أكل العيش.
(أصوار ما بِتنْفَع معانا..!!)
قبل الدخول إلى (مدينة الفتح) ومع ظهور معالمها يتراءى للناظر جبل كبير يقع شمال المنطقة سألنا عن اسمه من باب (اللهم زدنا علماً) فقال لنا أهل المنطقة (إنه جبل نفايات أم درمان) وبالاستفسار عن سر الاسم قالوا لنا إنه اسم على مُسمَّى حقيقة، وبالفعل عند وصولنا إليه وجدنا أنفسنا نقف أمام كل نفايات أم درمان التي تراكمت حتى تمخَّض عنها هذا الجبل الكبير.
المؤسف حقاً أننا وجدنا على قمة جبل النفايات هذا، مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين (12 – 14) يحملون جوَّالات بلاستيكية بغرض تعبئتها بقوارير المياه الغازية الفارغة وبالطبع فإن الوصول إلى هذه القوارير يُكلِّف بحثاً مُضنياً وسط نفايات تفوح رائحة منها نتنة ونفَّاذة جداً. اقتربنا من الطفل مجاهد أحمد جمعة الذي قال:(أنا عمري (12) سنة، ساكن الفتح (1)، خليت المدرسة لي شهر لأنو ناس بيتنا ما عندهم قروش عشان كدي أنا بعمل من الصباح لحدي الساعة 2 ظهراً وفي الفترة دي بعمل لي تلاتة قلبات ألقِّط فيها القوارير والنحاس وحاجات تانية وبعمل في اليوم (15) جنيها، وأنا طبعاً خليت المدرسة مجبور وإذا لميت قروش حأرجع المدرسة طوالي).
نفس الحديث قاله لنا الطفلان نزار عبد الباقي ومحمد الباقي وهما شقيقان فقط زادا أن ما دفعهما للعمل بهذه النفايات هو وفاة والدهما واعتماد الأسرة عليهما؛ ولذا تركا المدرسة وأتيا للبحث عن أرزاقهما وسط تلال النفايات هذه.
بساطة هؤلاء الأطفال أكدها لنا أول مشهد فما أن اقتربنا منهم ولَّوا هاربين منا وكأننا نزحف عليهم بـ(دبابات قتال) لكن بعد محاولات مضنية وصياح من على البعد بأننا جئنا نشتري منهم اقتربوا منا بحذر شديد وما أن شاهدوا (الكاميرا) انتابهم الخوف مُجدداً وقال لنا أحدهم: (نحنا عارفين انتو صحفيين، وممكن نتكلَّم ليكم لكن "أصوار" ما بتنفع معانا)، يقصد التقاط صور، والغريب أنهم في نهاية الأمر قبلوا حتى بالتقاط الصور التي تجدونها في هذه الصفحة.
حديقة الصرف الصحي
يقول الأستاذ محمد سِفلة (الشاعر المعروف)، وأحد سكان الفتح (1): كل آمالنا كانت مُعلَّقة في خدمات بسيطة مثل الماء الذي يصير به الإنسان إنساناً وأيضاً الكهرباء التي أصبحت تمثل عصب الحياة، لكن الآن تحاصرنا (مُعضلة) أكبر من الماء والكهرباء وهي أنه شرق الفتح (1) على بعد (200) متر فقط من منازلنا شجرت مساحة كبيرة جداً وقالوا لنا إنها مشروع حديقة (متنزه) لسكان المنطقة ففرحنا بها أيما فرح بل إن بعض (العُشّّاق) دشَّنوا المكان قبل أن تكتمل عملية ري الأشجار. لكن الطامة الكُبرى حملتها لنا إحدى الصحف الأسبوع الماضي حيث أكدت أن المكان الذي قالوا لنا إنه (متنزه) ما هو إلا محطة صرف صحي لكل منطقة أم درمان. ويمضي الأستاذ سفلة بقوله: لقد تملَّكنا الإحباط تماماً وتحوَّلت أفراحنا إلى اتراح، لأن الحكومة بعد أن هجَّرتنا من منطقتنا المتاخمة للثورة وقذفت بنا في هذه المنافي وعدتنا بأن نجد منطقة جاهزة من جميع الخدمات ها هي تأتي لنا بـ(جميع) قاذورات أم درمان، لتجاور منازلنا ولا تبعد من محطة المياه التي ننقلها بـ(التِرِلات) عربات الكارو لا تبعد من هذه المحطة سوى (100) متر فقط. وحسب إفادات بعض المختصين فإن خطورة محطة الصرف الصحي هذه ستتأثر بها مناطق الفتح (1-2-3-4) التي لا مفرّ لها سوى الرحيل حال قيام هذه المحطة، وأيضا ستتأثر بها مناطق الثورات وود البخيت والحتانة.     
مواطنو الفتح ناشدوا والي الخرطوم ومعتمد كرري وكل المسئولين بأن يبعدوا محطة الصرف الصحي عنهم لأنهم مواطنون بسطاء لا حلية لهم بالرحيل مُجدداً وفي نفس الوقت لا يستطيعون العيش مع هذه المحطة لأنها كفيلة بنقلهم إلى (المقابر) بأعجل ما تيسّر. وشدَّد المواطنون على أنهم لو خُيِّروا بين إبعاد محطة الصرف الصحي عنهم أو توصيل شبكتي المياه والكهرباء فلن يترددوا لحظة في اختيار الخيار الأول.
سوق الخيش ..!!
الفتح مقسَّمة إلى أربع مناطق هي (1، 2، 3 ،4) مجموع هذه المناطق يعرف عند السكان هناك باسم (الفتوح)، بالفتح (1) يوجد سوق ستة وهو عبارة عدد كبير جدا من (الدكاكين) جميعها مُشيِّد بالخيش ولذا فهو مُهدَّد بالحريق والاشتعال في أية لحظة سيما وأن جُله عبارة عن محلات شاي وشيشة، وأندية مشاهدة ومحال مُخصَّصة لـ(لعب الكوتشينة) في وضح النهار ولها روَّاد كُثر يتبادلون الأوراق من خلال حوالى ثلاث ترابيز، استأذناهم لالتقاط صور فخاطبنا أحدهم بقوله: (انتو دايرين تجيبو لينا هوا ولَّا شنو؟ بعدين يا جماعة نحن شغالين والله ما عطالى، لكن الليلة السبت عطلة عشان كدا جينا هنا نفرِّق الزهج شوية). قال لنا الأستاذ محمد سفلة إن هذا السوق انتشرت فيه (الاثيوبيات) بصورة مكثفة والخطير في الأمر أنهن يمارسن بيع الشاي والشيشة بالنهار، وبيع الهوى والمخدرات بالليل، بأسعار زهيدة لا تتعدى خمسة جنيهات فقط؟ أيضاً هناك مجموعة من الأطفال في عمر الدراسة يعملون بهذا السوق في (دق البُن) حيث إنهم يتراصون وأياديهم تعمل باستمرار في سحن البُن للنساء السودانيات منهن والحبشيات اللائي يعملن في بيع الشاي والقهوة.
من الأشياء الملفتة للانتباه بسوق ستة تدهور صحة البيئة أو بالأحرى انعدامها تماماً ففي المكان المخصص للجزارات والخضراوات تستقبلك أطنان من الذباب تبعتنا أينما ذهبنا ودخلت معنا حتى (عربة) الصحيفة وفشلت كل محاولات السائق خالد في إخراج جيوش الذباب التي (سكنت) عربته ولم تخرج حتى بعد وصولنا مقر الصحيفة بالخرطوم. عدد من العاملين بالسوق أكدوا أن تدهور البيئة سببه (جبل النفايات) الواقع شمال الفتح فهو المكان المخصص لكل (قاذورات) أم درمان بالتالي فنظافة أم درمان تأتي خصماً على أهل هذه المنطقة البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة.
دكتور الكناني.. الرَّجُل الإنساني
من ضمن تجوالنا على منطقة الفتح لفت انتباهنا مبنى رائع جداً أشبه بـ(التُحفة) وسط (الخرابات)، اقتربنا منه فوجدنا لافتة أنيقة مكتوب عليها (مستشفى الفتح)، تبادر إلى ذهني أنني سأجد صعوبة في الدخول للمستشفى من كثرة المرضى لسببين: الأول: صحة البيئة التي تعاني منها المنطقة خاصة السوق الذي يشتري منه الناس احتياجاتهم ويأكلونها. أما السبب الثاني فهو أن هذا المستشفى يغطي منطقة (الفتوح) بأكملها وكذلك المناطق المجاورة لها بالريف الشمالي لأم درمان. لكن تملكتني الدهشة عندما وصلت البوابة الرئيسية للمستشفى ولم أجد إلا امرأتين فقط تهمان بدخول المستشفى الذي لا تبدو أي آثار لوجود مرضى بداخله. طلبتُ من أفراد الأمن بالبوابة أن يسمحوا لي بالدخول لمقابلة المدير العام أو المدير الطبي للمستشفى لكنهم قطعوا باستحالة ذلك ما لم آتهم بإذن (تصريح) من وزارة الصحة الولائية. بعد جدال طويل قال لي أحدهم سأذهب إلى الإدارة لمعرفة رأيهم، لكن سرعان ما أتى وأخبرني بأنه لم يجد أحداً، لا المدير العام ولا المدير الطبي.
بعد ذلك لجأت لاستطلاع المواطنين بالمنطقة فأكدوا لي أن الخدمة الوحيدة التي يقدمها لهم هذا المستشفى هو أنه ينقل المرضى بعربة الإسعاف إلى مستشفيات أم درمان والبلك والنو. أما خلاف ذلك فهُم أنفسهم – المواطنون- لا (يعشمون) في شيء.
ومن خلال تجوالنا ذهبنا إلى الفتح (2) وللحقيقة فقد ذُهلنا لمركز طبي خيري متواضع للغاية لكنه ممتلئ تماماً بالمرضى الذين يتراصون في الكراسي والترابيز بل حتى الأرض. دخلنا إلى المركز بلا أي قيود ووجدنا دكتور كنانة الكناني أبكر، أخصائي النساء والتوليد الذي قال إنه كان يعمل في مستشفى الدايات والمستشفى السعودي. لكن تدافع المرضى نحوه بهذا المركز الخيري جعله يتفرغ له فعدد المرضى يوميا لا يقل عن (80) حالة، قيمة التذكرة عشرة جنيهات فقط ومن لا يملكها يدخل مجانا لأن بعض المرضى فقراء، أما قيمة الفحص فثلاثة جنيهات فقط.
استطلعنا بعض المرضى فوجدنا أنهم يأتون من الفتوح بأقسامها، والثورات، وأم بدات، وكذلك مناطق الريف الشمالي مثل أم الكليوات، وأم زويل، وود موسى، والقالباب، والبرارة وغيرها. وقد شهد المرضى خاصة (حالات الولادات) شهدوا لهذا الدكتور بأن همَّه الأول هو علاج المريض وليس البحث عن ثمن التذكرة، واستدلوا بأن د. كنانة سبق أن نقل بعربته الخاصة حالات لنساء احتجن إلى عمليات قيصرية مستعجلة نقلهن إلى الدايات والسعودي وأجرى لهن العمليات هناك لتوفر معينات العمل دون أن يطلب مليماً واحداً. وأجمع المواطنون هناك على أن ما يقوم به هذا الطبيب لم تقُم به تجاههم حتى وزارة الصحة نفسها.











.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine