اخرالاخبار

الموج الأزرق يحكم السودان (3 )

الجمعة, 09 مارس 2012 14:03 عدد المشاهدات : 822 صفحات متخصصة - الاسبوعي
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

الموج الأزرق يحكم السودان (3 )
خلفيات استرجاع السودان * الخليفة عبد الله خارج شبكة اللعبة السياسية * معركة كرري * تدمير ضريح الإمام المهدي. أم درمان مدينة مباحة للجنس بنكهة إفريقية * معسكرات الاعتقال عرفها كتشتر قبل هتلر * حمار مصري يرث عرش بريطانيا * تصفية كتشنر على يد المخابرات البريطانية * تخطيط الخرطوم على هيئة العلم البريطاني *
--------
شهدت السياسة البريطانية إزاء السودان تحولا كبيرا في أواخر القرن التاسع عشر اتجهت فيه إلى التحرك. يتحدث لورد كرومر (المندوب السامي) في تقرير له في تلك الأيام عن " تنامى روح الإمبريالية في انجلترا تناميا عظيما " ويشير في تقرير آخر إلى أن فشل إيطاليا في مهمتها الامبريالية يجبر بريطانيا على التدخل في السودان. يضيف لورد كرومر أن الإيطاليين لم يظهروا مهارة عسكرية أو سياسية في إدارة أملاكهم الجديدة في اثيوبيا وأن هزيمتهم أمام الإثيوبيين أسفرت عن نشوب أزمة في السودان. طلب السفير الإيطالي في لندن من ناحية أخرى من الحكومة البريطانية في تلك الأيام القيام بعملية انصرافية في المنطقة لمصلحة بلاده. هذه هي اللحظة من عام 1896 التي قررت الحكومة البريطانية فيها التدخل في السودان. لقد وجدت الحكومة البريطانية في استنجاد إيطاليا بها ذريعة للتدخل الفعال ضد الخليفة عبد الله وهي في الوقت نفسه بمثابة ورقة التوت التي تخفي بريطانيا تحتها أطماعها الاستعمارية خوفا من إثارة قلق الدول الأوروبية التي لها أطماع في المنطقة. على أن الخليفة عبد الله من ناحية أخرى كان خارج شبكة اللعبة السياسية ولم يكن في وضع يمكنه من اللعب بأوراقها على مائدة التنافس بين الدول ألأوروبية الأربع (بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا) المتكالبة على السودان والبلاد المجاورة له. كان السودان في ذلك العهد أشهى وجبة بقيت علي مائدة التكالب الأوروبي على استعمار القارة الأوروبية .أخذت بعض الدول الأوروبية تتسلل عبر حدوده الشرقية والجنوبية وتحتل أجزاء منه. بل أوشكت أن تنشب حرب فور سقوط أم درمان بين بريطانيا وفرنسا لدى وصول قوة فرنسية إلى فشوده في منطقة أعالي النيل.
لعل الخليفة عبد الله كان مشغولا يومذاك بمشاكل في الداخل تهدد ملكه لكن الأرجح أنه لم يفطن للأوراق التي بين يديه لضيق أفقه في السياسة الدولية وما يجري من مناورات.
*****
احتل كتشنر الصدارة في قائمة المرشحين لقيادة الحملة العسكرية لاسترجاع السودان بحكم منصبه كقائد عام للجيش المصري ولقربه من لورد سالسبوري رئيس وزراء بريطانيا. أما لورد كرومر المندوب السامي الجالس علي الكرسي الساخن في القاهرة فقد أبدى ارتياحه لاسناد القيادة إلى كتشنر الذي كان في السادسة والأربعين من عمره ووصفه بأنه " شاب متحمس مفعم بالحيوية مخلص لمهنته ". لكن كرومر أشار في الوقت نفسه إلى عيب في طبائع كتشنر وهي أنه قهار متسلط في تعامله مع مرؤوسيه ويأخذهم دائما بالغلظة والشدة. لا يرفق بهم أو يرحمهم متى تهاونوا ولو قليلا في الالتزام بمستوجبات الضبط والنظام. إنها لفتة لها قيمتها صدرت عن عسكري (مع إيقاف التنفيذ) تخرج مثل كتشنر من أكاديمية وولتش العسكرية .إذ يتعين على أي قائد في مكانة كتشنر أن يتحلى في تعامله مع مرؤوسيه بالهدوء واللطف بعيدا عن التوتر والهياج لكي يجني طاعتهم والخضوع لإرادته لا خوفا منه وانما بروح مشبعة بالمحبة والرضا. غير أن كرومر يذكر أيضا أن هيبرت كتشنر حريص على المال أو حسب اصطللاحات العصر " اقتصادي صارم " يضرب بيد من حديد على أي ميل للإسراف وتبديد اعتمادات الجيش المالية. هذه ميزة أخرى لتفضيله على غيره لتولى قيادة الحملة لفتح السودان واسترجاعه باسم الخديوي في وقت كانت امكانيات مصر المالية محدودة للغاية أو لعلها على حافة الافلاس. تنبأ كرومر منذ الوهلة الأولي في رسالة إلى لورد سالسبوري رئيس وزراء بريطانيا بحتمية انتصار الحملة المصرية اسما لكنها بريطانية أصلا. جاء في تلك الرسالة بالحرف الواحد : " إن مجرد ذكر اسم بريطانيا سوف يخيف الخليفة عبد الله أكثر من خوفه من تركيا أو مصر ولا أمل له في الانتصار على البريطانيين ". بينما تحدث الشاب جي ستيفنز مراسل الديلي ميل البريطانية قي كتابه "مع كتشنر إلى الخرطوم " حديثا ساخرا حين قال عن كتشنر : " يغمرك احساس بأن على بريطانيا تسجيل ملكيتها لكتشنر قبل عرضه بفخر واعتزاز في واجهة جناحها في معرض باريس الدولي تحت اسم (ماكينة السودان) ". كان زحف الحملة بقيادة كتشنر لاسترجاع السودان أشبه بنزهة خلوية لم تواجه خلالها مقاومة تذكر إلى أن بلغت أبوحمد حيث تصدت لها الحامية المرابطة بقيادة الأمير محمد زين التعايشي وكتب النصر للغزاة بفضل أسلحتهم النارية. يروى أن أحدهم هرب من أبوحمد بعد المعركة راكبا أو راجلا إلى بربر ووصلها في زمن قياسي. سجل شاعر قبيلة المناصير هذه الواقعة في أغنية شعبية مطلعها : الله من رمنطونا في الكرد ... منو شيخ الإسلام شرد ... سبق الجمال أمات قرد ... وجاب خبر الشوم في البلد !!.
لقد تناولت الكتب والمذكرات والصحافة البريطانية باطناب تفاصيل المعارك التي خاضتها الحملة لاسترجاع السودان تحت قيادة كتشنر. لكن ذكرى معركة أم درمان (كرري) لا تزال حية في الأذهان يتغنى السودانيون بها كرمز تأريخي للشجاعة والاقدام والتضحية دفاعا عن الوطن. بينما تذكر المعركة في بريطانيا باعتبارها أشهر المعارك في تأريخ الامبرطورية البريطانية شهدت في ما شهدت لأخر مرة في حروبها "هجمة الفرسان " التي هجم فيها الفرسان الانجليز من فوق ظهور الخيل على المقاتلين المدافعين. يقول ونستون تشرشل الذي شهد تلك الهجمة إنها كلحن نادر على مائدة العشاء ولا تزال خالدة حتي اليوم ضمن حكايات الفولكلور العسكري عند البريطانيين. لقد كانت معركة أم درمان في 2 ديسمبر 1898 صراعا شرسا غير متوازن إلى حد بعيد. بدأ جيش الأنصار (الدراويش) في السادسة من صباح ذلك اليوم زحفه في صفوف منتظمة على مواقع العدو حول جبل كرري شمالي أم درمان وهم يحملون راياتهم المدبجة بشعاراتهم الدينية. سلاحهم بنادق عتيقة وسيوف وحراب !!. صور ونستون تشرشل المشهد قائلا : " لقد أعاد هذا التجمع العجيب من جيش الخليفة عبد الله إلى الأذهان مشهد الصليبيين في لوحة بايوتكس. يمكن للمرء أن يكشف مظاهر الاحساس بالعار والحيرة التي اجتاحت البريطانيين جراء الدمار الذي لحق بالدراويش الشجعان لأن ثقافة البطولات في العهد الفكتوري أكبر من مضاهاتها بالروح الرياضية وتسامحها ". يعترف تشرشل بأن الدروايش حاربوا بشجاعة ورجولة. كما يعترف بأن هجوم الفرسان- الذي شهده - على نحو 2500 من جيش الخليفة لم يغير مجرى المعركة بالرغم من منح ثلاثة من الفرسان وسام صليب فكتوريا. الحقيقة التي يعترف بها حتى ونستون تشرشل أن جيش الخليفة عبد الله اندحر وأبيد الآلاف من رجاله بفعل النيران الفتاكة التي صبتها عليهم " البنادق والمدافع الرشاشة (المكسيم) ". لقد مني ذلك الجيش المؤمن الباسل بخسائر فادحة في الأرواح. يستفاد من أغلب المراجع أن تعداده يتراوح بين 40 و50 ألفا قتل منهم 11 ألفا في أرض المعركة وأصيب أكثر من 16 ألفا بجراح. كانوا الجنود الغزاة يجهزون على الجرحى بدلا من اسعافهم. الأمير عثمان أزرق (ثعلب الصحرا ء) قتل في دم بارد في طريق عودته بعد المعركة لأم درمان. بلغ عدد القتلى البريطانيين يومذاك 22 رجلا بينهم ضابطان أحدهم الملازم روبرت غرنفيل الذي وصفه أحد معاصريه بأنه كان " حياة وريحانة حفلات عيد الميلاد في دار لورد كرومر في القاهرة. لقي حتفه بضربة سيف في خضم هجمة الفرسان ". أما الجرحى فقد كان بينهم الكولونيل فرانك رودس مراسل صحيفة التايمز البريطانية وهو الأخ الأكبر للمغامر البريطاني سيسيل رودس رأس الحربة للتكالب الأوروبي على استعمار افريفيا في القرن التاسع عشر.
بقي الخليفة عبد الله نحو عام بعد معركة أم درمان يعمل جاهدا على تعبئة الأنصار من جديد. قامت بمطاردته قوة مؤلفة من 3700 رجل بقيادة الكولونيل ريجنالد ونجت (حاكم عام السودان لاحفا). لحقت القوة بالخليفة عبد الله في بلدة أم دبيكرات غربي النيل الأبيض على مسافة 40 ميلا تقريبا من مدينة كوستي الحالية ودارت معركة بين الطرفين صباح 24 نوفمبر 1899 أسفرت عن استشهاد نحو 600 وأسر 3000 من الأنصار. عثر بعد انتهاء المعركة على جثامين الخليفة عبد الله ونحو عشرة من الأمراء بينهم علي ود حلو (خليفة الفاروق) وأحمد فضيل.
لقد رسمت معركة أم درمان نهاية حقبة من مسلسل المغامرات العسكرية والبطولات في الحروب وكانت في الواقع مجزرة وحشية راح ضحيتها الآلاف من الدراويش البسطاء الذين خرجوا للدفاع عن أرضهم وعقيدتهم ضد قوة غاشمة مدججة بالأسلحة النارية الفتاكة. لكن من المفارقات الساخرة أنها تتضاءل في وحشيتها وحصد الأرواح أمام معركة الألزاس في فرنسا التي جرت عقب معركة أم درمان بنحو 18 عاما بين من يسمون بأهل الحضارة المتمدينين. كانت هنالك محنة في انتظار مدينة أم درمان على يد الغزاة المنتصرين لم تشهد المدينة مثيلا لها من قبل أو بعد حين أباحها كتشنر لجنوده فتحولت المدينة – كما سجل شاهد عيان – إلى " حريم واسع ومرتع للجنس بنكهة افريقية "  
كانت رسائل جي ستييفنز من أرض المعركة في أم درمان موضع تنافس بين الصحف البريطانية التي تعتمد على الإثارة في رواجها في تلك الأيام. أقبلت تلك الصحف على رسائله تتخاطفها وتتسابق على نشرها لما حوته من حكايات مثيرة برع جي ستيفنز في رصدها وتسجيلها في أسلوب مشوق خلاب خاصة ما يتناول منها أحداثا تدور حول الجنس. المعروف أن كتشنر أباح مدينة أم درمان لجنوده لمدة يومين - أو أكثر في بعض الروايات - عاث الجنود خلالها فسادا في المدينة من قتل ونهب واعتداء على الأعراض. تناول الشيخ بابكر بدري في كتابه (حياتي) هذا الموضوع لكن بتحفظ في ما يتعلق بالنساء لأنه موضوع يقع في دائرة المسكوت عنه حتى عند أمثال الشيخ بابكر بدري المعروف بجرأته. أما جي ستيفنز الذي دخل المدينة مع الفاتحين بعد المعركة فقد رسم في ما كتبه صورا درامية مثيرة لما شهده في هذا الصدد فقال في احدي رسائله إلى الديلي ميل : " هناك نساء جميلات ... نصيب كل رجل ثلاث ... نساء استوائيات (جنوب السودان) وأخريات بيض من مصر وعربيات سمراوات ..... هناك أيضا ذوات لون أصفر غريب وجوهن مستديرة معروقة وشعرهن أسود مجدول ... المدينة كلها حريم واسع ومرتع للجنس بنكهة افريقية ". كانت أياما سوداء في تأريخ أم درمان خلفت إحنا وضغائن ضد الجنود الغازين الذين أسكرتهم نشوة النصر وأحالتهم إلى وحوش كاسرة لا ضمير لها أو حياء. وقعت بالفعل أحداث انتقامية قتل فيها عدد من أولئك الجنود فاضطرت السلطات إلى ترحيل من كان لهم ضلع كبير في أعمال النهب وهتك الأعراض إلى مدينة ود مدني حماية لأرواحهم.
بلغ كتشنر ذروة مجده كبطل قومي في أعين البريطانيين بعد أن تم على يديه استرجاع السودان والأخذ بثأر غوردون. خلعت الملكة فكتوريا عليه فور انتصاره في معركة أم درمان لقب (لورد كتشنر أوف خرطوم) واشتهر اختصارا بكنية (K OF k) كما منح مكافأة مالية مقدارها ثلاثون ألف جنيه لتعينه على توفير مستوى من العيش يليق بدرجته السامية. لكن سرعان ما تكشفت فضيحة اعتداء كتشنر على ضريح الإمام المهدي في أم درمان ونبش قبره والقاء جثته في النيل بينما احتفظ بجمجمة المهدي كتحفة تذكارية. تذكر بعض الروايات أنه أرسل الجمجمة إلي لندن للاحتفاظ بها في متحف كلية الجراحين الملكية جنبا إلى جنب مع أحشاء نابليون بونابرت. لكن الملكة فكتوريا استنكرت ذلك وأعربت عن استهجانها في رسالة إلى كتشنر أشارت فيها إلى أن المهدي رجل مهم له مكانته بغض النظر إن كان سيئا وقاسيا أم لا وأن ما قام كتشنر به عمل وحشي من مخلفات القرون الوسطي. كانت جمجمة المهدي قد وصلت إلى حلفا في طريقها إلى العاصمة البريطانية عندما تلقى كتشنر رسالة الملكة فأمر بدفن الجمجمة الشريفة ليلا في مقابر المسلمين التي غمرتها مياه النيل بعد بناء السد العالي. يعترف لورد كتشنر بتدميره ضريح الإمام المهدي لاعتبارات سياسية لكنه ينكر ما جرى بعد ذلك. ومهما يكن فإن ما امتحنت أم درمان به من إباحة واعتداء على قبور الموتي يمثل بداية انحطاط بريطانيا أخلاقيا مما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار أمبرطوريتها التي لا تغيب الشمس عنها وفقدان مكانتها كدولة عظمى.
لم تؤثر فضائح كتشنر وجيشه في السودان رغم شناعتها على مكانة كتشنر في قلوب البريطانيين ولم تحل دون صعود نجمه فأصبح رمزا في ثقافة المجتمع البريطاني في هالة من التقديس. كتبت عنه صحيفة البنس الجديدة أروج الصحف الشعبية البريطانية مقالا بعد نحو ثلاثة أشهر من معركة أم درمان جاء فيه أن كتشنر شخصية آسرة رشيق القامة داكن اللون حتى لتحسبه عربيا مما ساعده في التخفى خلال مهامه الاستخباراتية تمهيدا لغزو السودان. كانت حياته فاترة أضفى عليها بقاؤه عازبا ضبابية مثيرة للتساؤل !!. وهنالك تساؤلات أخرى حول سر علاقته مع الملكة فكتوريا خطيبة الخليفة عبد الله التي دعاها في رسالة مشهورة للاسلام والانضمام إلى حريمه في أم درمان. ثم ما دور حمارها المصري الذي أوشك أن يعتلي عرش بريطانيا العظمى وهو الحمار الذي جاءها هدية من كتشنر ؟؟
حاولت صحيفة البنس الجديدة إضفاء مزيد من البريق والحيوية على شخصية كتشنر الانسان. ذكرت الصحيفة أنه يهوى اقتناء التحف الفخارية ولديه مجموعة نادرة من قطع العملات المعدنية العربية. كما أشادت الصحيفة باتقانه لغات أجنبية وبداره العامرة دائما بالضيوف في مآدبه وحفلاته الساهرة التي يقيمها دون انقطاع رغم عزوبيته !!. لا جدال في أن لورد كتشنر أوف خرطوم احتل في قلوب الشعب البريطاني مكانة عظيمة كبطل قومي لم ينلها أحد في القرن العشرين خلاف ونستون تشرشل الذي قاد بريطانيا وحليفاتها في الحرب العالمية الثانية ضد المحور. كما لا ينافسه أحد عبر تأريخ الامبرطورية في حصيلة ما خلع عليه من رتب وأوسمة وأنواط. دارت أقوال كثيرة بين همس ولمز حول الصلة الحميمة بين لورد كتشنر والملكة فكتوريا !!. كلفت الملكة فيكتوريا الرسام النمسوي هنريتش فوت أنجيلي - أعظم رسام معاصر - برسم لوحة للورد كتشنر. أبدت فكتوريا فرحة وأعجابا شديدا عند عرض اللوحة عليها بعد عام من معركة أم درمان. كما أهداها اللورد حمارا من مصر أبيض اللون. تختتم فكتوريا يومها كلما وجدت سبيلا بالبقاء مع الحمار حتى منتصف الليل ثم تأوي إلى فراشها منهوكة القوى وكأنها عادت من سفر بعيد !!. قيل أن فكتوريا فتنت بالحمار إلى حد خشي الناس فيه أن تعينه وليا للعهد يرث الملك بعدها وكان عمرها حينذاك ثمانين عاما. تعودت فكتوريا على دعوة كتشنر لاستضافته في منتجعها في جزيرة وايت (قصر أوزبورن) تاركة له الباب مفتوحا لاختيار الأيام التي تناسبه. هذا نهج غير مألوف في بروتوكول تعامل الملوك مع رعاياهم. الملك لا يدعو بل يستدعى من يشاء من رعاياه للمثول أمامه في موعد لا يخلفه أو له في تحديده خيار .
أبرمت في يناير 1899 معاهدة الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا. كانت في ظاهرها معاهدة بين طرفين لحكم السودان لكن برز عند التطبيق طرف ثالث مستقل هم الإداريون البريطانيون الذين حملوا عبء إدارة السودان في ظل العلمين المصري والبريطاني وإعداده لكي يتولى تقرير مصيره في النهاية. لقد وفرت المعاهدة لأولئك الاداريين تحت عباءة الحاكم العام البريطاني سلطات مطلقة لتصريف شئون الحكم في السودان. ولما كان معظمهم خريجي جامعتي أوكسفورد وكامبريدح جاء مصطلح : "الموج الأزرق يحكم السود " إشارة لاسم السودان (بلاد السود) وللأزياء ذات اللون الأزرق التي تميز الفرق الرياضية المختلفة في الجامعتين. تجلى استقلال الإداريين البريطانيين بصورة صارخة في تمسكهم باستقلال السودان عندما حلت ساعة تقرير المصير متحدين بذلك الحكومتين المصرية والبريطانية. قد يعجب كثيرون حين يعلمون أن الحكومة البريطانية في لندن اتخذت عقب الحرب العالمية الثانية تحت الضغط الأمريكي سياسة أميل إلى الوحدة بين مصر والسودان. بل قد يتضاعف عجبهم حين يعلمون أيضا أن فكرة اعلان استقلال السودان عام 1956 من داخل برلمان الحكم الذاتي - خلافا للاتفاقية بين مصر وبريطانيا - جاءت في الأصل من أحد الإداريين البريطانيين في الخرطوم. من يريد معرفة تفاصيل ذلك عليه الرجوع إلى كتابي " قطار العمر". هكذا ينبغي علينا التمييز بين الحكومة البريطانية في لندن وأولئك الإداريين البريطانيين عندما نتناول مسيرة الحكم الثنائي في السودان .
*****
تقلد كتشنر فور ابرام المعاهدة في يناير 1899 منصب حاكم عام السودان وبقي فيه حتى آخر العام. يتفق الناس على أن كتشنر عسكري ممتاز وقائد حاذق إلا أنه ليس بأي حال من الأحوال إداريا مدنيا وليست له خبرة أو تجربة في هذا المجال لذلك تركت المهام الإدارية في السودان لآخرين سواه. لعل أكبر انجاز حققه كتشنر في السودان يتمثل في تأسيسه كلية غوردون التذكارية التي تطورت مع مرور السنين إلى جامعة الخرطوم الحالية والحقت بها عقب الاستقلال كلية كتشنر الطبية التي أنشئت لتخليد ذكراه. كما أقيم تمثال لكتشنر في الميدان الواقع غربي القصر الجمهوري حاليا على كورنيش النيل. اقتلع التمثال مع تمثال غوردون عند استقلال السودان وأعيدا إلى بريطانيا. ذهب كتشنر من السودان إلى جنوب افريقيا إلا أن انتصاراته في حرب البوير هناك لم تحدث دويا أو تكسبه مزيدا من الشعبية. لكن الاتفاق السائد أن كتشنر ارتكب في تلك الحرب أعمالا وحشية غير انسانية أفظع مما ارتكبه في السودان. بل أن معسكرات الاعتقال التي أقامها كتشنر أثناء حرب البوير هي أول معسكرات من نوعها شهدها العالم في تأريخه المعاصر وتمثل وصمة عار في تأريخ بريطانيا على مر العصور. حشد كتشنر في تلك المعسكرات عشرات الآلاف من البوير (الأفريكان) رجالا ونساءا وأطفالا حيث هلك أكثرهم جراء التعذيب والجوع والأمراض الفتاكة مما أثار غضب الرأي العام في بريطانيا وارتفعت الصيحات في البرلمان والصحف البريطانية منادية بوضع حد للمأساة ومحاسبة كتشنر عليها. ينسى الناس عندما يتحدثون عن معسكرات الاعتقال المزعومة في عهد ألمانيا الهتلرية أنها في الأصل اختراع بريطاني تحمل براءة ملكيته صورة مخترعه لورد كتشنر أوف خرطوم. استنجد البريطانيون باللغة الاسبانية لما لم يجدوا اسما مناسبا لاختراعهم في لغتهم فأطلقوا عليه اسم concentration camp المأخوذ من كلمة reconcentrados الاسبانية .
*****
اتجهت الأنظار إلى لورد كتشنر مرة أخرى لدى نشوب الحرب العالمية الأولى وتطلع الشعب البريطاني إليه كبطل قومي منقذ سوف يتم النصر علي يديه لا محالة. تعلل كتشنر بادئ الأمر بأن خبراته قاصرة على الوطن العربي وأن معرفته بأحوال أوروبا محدودة لكنه استجاب أخيرا لرغبة الشعب و تولى منصب وزير الحربية. تنبأ حين توليه المنصب الوزاري بأن الحرب سوف تستغرق ثلاثة أعوام على الأقل بينما رأى آخرون أنها ستضع أوزارها في غضون أشهر قلائل. اتضح أن كتشنر صادق في نبوءته إذ استغرقت تلك الحرب كما هو معروف أربعة أعوام وانتهت بهزيمة ألمانيا. لكنه لم يعش ليرى النهاية. لقي كتشنر حتفه غرقا في 5 يونيو 1916 عندما غرقت السفينة التي تقله نتيجة لغم أطلقته عليها غواصة ألمانية بالقرب من سواحل جزر أوركني الاسكوتلاندية ولم يعثر على جثته حتى اليوم. أعرب شاعر الهند اقبال يومذاك عن شماتته في قصيدة خاطب فيها كتشنر بقوله : لقد حرمك الله من قبر في الدنيا عقابا لك علي نبشك قبور أوليائه الصالحين – إشارة إلى اعتدائه على ضريح الإمام المهدي في أم درمان. تذكر بعض المصادر أن المخابرات البريطانية هي التي أغرقت السفينة للتخلص من كتشنر لأنه أصبح عضوا غير مرغوب في بقائه في الحكومة ولا سبيل لاعفائه خوفا من رد فعل الرأي العام. غير أن هلاك كتشنر في ظروف غامضة أطلق سيلا من التخرصات. تحدث بعضهم عن اختبائه في كهف في جزيرة اسكوتلاندية أو نائية في المحيط حمله إليها الحوت. بينما قال آخرون أن كتشنر وقع أسيرا في أيدي الألمان. لم يدر بخلد أحد أنها لعنة المهدي وأرواح الشهداء عند سفح جبل كرري لحقت به فالله يمهل ولا يهمل.
يدرك المتأمل في حياة لورد كتشنر أنه شخصية فردية انطوائية وربما يرجع ذلك إلى طبيعة الخجل التي صاحبته منذ طفولته وإلى انحرافاته الجنسية لذلك لا يستبعد من ناحية أخرى أن الفردانية والانطوائية وراء ضيق زملائه الوزراء به ورغبتهم في التخلص منه. والمعروف عن كتشمر أيضا حبه للفضاءات الواسعة وارتياحه للعزلة في الصحراء. يقول الصحفي ستيفنز الذي سبق ذكره أن كتشنر وجد في صحارى السودان الهواء النقي والوحشية المتجردة والفضاء المترامي للركض على ظهر جواده !!. ويقول آخر ممن دونوا سيرة حياة كتشنر " إنه انفرادي يضع جميع ضروب السلطة في يده ولا يشرك أحدا. مثل هذا الرجل لا نفع منه في العمل الجماعي ". لقد تملكت كتشنر مشاعر الإحباط خلال الحرب العالمية الأولي نتيجة سلوك السياسيين ولم يستطع التعايش معهم لأنه ليس ديمقراطيا مثلهم وانما استعماري الأفكار يؤمن بقدره وبأن في يده وحده تكييف مصير العالم. إن الفردية أو الفردانية التي اتصف كتشنر بها طبع أصيل في البريطانيين عموما يتجلى قي عاداتهم وتفكيرهم عبر تأريخهم الاستعماري منذ عهد را لي وسيسيل رودس. إذن ليس من المستغرب أن يسير كتشنر على خطى من سبقوه فهو لا يثق مثلهم في الديمقراطية لتناقضها مع الفردية ويعتبرها ترفا لا يخدم مصالح وتطلعات الأهالي البدائيين سكان المستعمرات. إن الديمقراطية في نظر لورد كتشنر وأمثاله السابقين واللاحقين أداة للحكم لتضليل الأهالي والتسلط عليهم من قبل فئة قليلة من أبناء جلدتهم.
*****
إذا كانت مهمة استرجاع السودان قد استدعت خبرة وجهد رجل واحد فإن الحكمة تقتضي استنفار عدد أكبر من الرجال لهم رؤى وأفكار متنوعة لبناء البلاد من جديد. غادر كتشنر السودان في ديسمبر 1899 وحل مكانه سير ريجنالد ونجت حاكما عاما للسودان وسردارا للجيش المصرى وقد ظلت الوظيفتان مدمجتين مع بعضهما لمدة 25 عاما. كانت ترتيبات الحكم الثنائي نظاما فريدا في عرف العلاقات الدولية. تعني الثنائية المقصودة - كما نصت المعاهدة- الملكية المشتركة وتعرف في اللغة الانجليزية بكلمة كوندمنيوم التي تستخدم في أمريكا كمصطلح يعني المشاركة في امتلاك عمارة سكنية تضم شققا عديدة. ويشار للحكم الثنائي في السودان بحكومة العلمين (المصري والبريطاني) التي تسلمت مقاليد الحكم في يوليو 1898 قبل توقيع لندن والقاهرة على المعاهدة في يناير من العام التالي. كانت مصر- رغم استقلالها اسميا - تحت الحماية البريطانية ولا يبدو أن الموظفين البريطانيين في السودان كانوا مشغولين بها أو يضعون لها حسابا بل لعلهم كانوا يعتبرون مشاركة مصر في الحكم وهما من صنع الخيال. إنها في الواقع مشاركة فرضها حرص الحكومة البريطانية علي تكبيد الخزانة المصرية تكاليف حملة استرجاع السودان وإدارته بعد الاحتلال. كما آلت جميع سلطات القيادة العليا المدنية والعسكرية – قي ظل الشراكة المزعومة – إلى الحاكم العام الذي لا بد من أن يكون بريطانيا لأن المعاهدة أعطت الحكومة البريطانية حق ترشيحه وعلى الحكومة المصرية تعيينه تلقائيا. شرع لورد كتشنر خلال الفترة القصيرة التي أمضاها حاكما عاما في إعادة تعمير مدينة الخرطوم التي سويت بالأرض تقريبا في عهد دولة المهدية. جرى تخطيط شوارع المدينة على هيئة ما يعرف بشبكة شيكاغو وهي عبارة عن مجموعة شوارع قطرية لتقصير مسافة الانتقال من جزء في المدينة إلى آخر كما أن المحور الذي تلتقي عنده الشوارع في قلب المدينة يجعل التحكم فيها عسكريا سهلا في حالة نشوب اضطرابات إذ يمكن لمدفع واحد في ذلك المحور أن يغطي بنيرانه كل الاتجاهات. كانت الخرطوم حينذاك مدينة صغيرة جدا بالقياس لحجمها اليوم يحدها شمالا النيل الأزرق وجنوبا الطابية وثكنات الجيش البريطاني التي تشغل بعضها الآن وزارة التربية بينما يحدها غربا النيل الأبيض وجنوبا حي محطة السكك الحديدية وبجواره بعض مرافق الجيش المصري.
( محمد خير البدوي) نواصل



.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine