اخرالاخبار

دولة الأدب في كردفان 6-8

الجمعة, 11 مايو 2012 14:49 عدد المشاهدات : 1043 صفحات متخصصة - الاسبوعي
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

دولة الأدب في كردفان 6-8
خالد الشيخ حاج محمود
أطلق الأستاذ مبارك حامد فضل الله وزير الإعلام والثقافة والسياحة بولاية شمال كردفان  مبادرة صادقة لجمع تاريخ كردفان اعتماداً على المخطوطات والمراجع والكتب والوثائق وما تحويه الصدور ولكن يبدو التنفيذ صعب المنال لأنه يحتاج للجهد والمثابرة والصبر والهمة حتى يتحقق الهدف المنشود خاصة وأن كردفان وطن بحجم قارة جمع أغلب الأعراق والثقافات وكانت ساحة للاحتراب والنزاعات سواء بين الممالك والسلطنات أو ضد المستعمرين، فالناظر إلى تاريخها يلحظ ذلك الصراع لا سيما وأن كردفان لم تحظ مثل مملكتي سنار ودارفور بإنشاء دولة مستقلة بل ظلت منذ أخريات القرن السابع عشر الميلادي تسعى تحت زعامة مملكة المسبعات لتحقيق تلك الغاية ومع إنها قاربت تحقيق ذلك الهدف في عهد السلطان هاشم المسبعاوي إلا أن مطامع الفونج والفور التقليدية في ذلك الاقليم لم تترك للمسبعات فرصة الفكاك من الأسر وكذلك فعلوا نفس التضييق مع دولة الغديات الذين هم خليط من (العرب والنوبة والفونج) استقروا أولاً  في جبال (كرباج ومليس) وتمكنوا من بسط نفوذهم على مناطق وسط وشرق كردفان التي يقطنها البديرية والجوامعة ولما غزا السلطان بادي أبو دقن مملكة تقلي وجبل الداير وكان همه الأول السيطرة على بلاد النوبة ترك المنطقة الواقعة شمال تقلي تحت إشراف زعيم الغديات بعد أن عينه مندوباً عنه وخلع عليه لقب (مانجل) مع فرض ضريبة سنوية وبالتالي صارت كردفان اسمياً تحت سيطرة الفونج وذلك حسبما ورد في كتاب (تاريخ سلطنة المسبعات) للأستاذة سميرة العوض حامد ولكن المؤرخ (دي كادلفان) يروي أن كردفال كانت منذ القدم تحت سيطرة الداجو وأن التنجر كانوا آخر حكام عليها كما أوردت المراجع والمخطوطات أن الأمراء العباسيين بعد انقراض دولتهم ببغداد عام 656هـ  على أيدي المغول تفرقوا في بلاد المشرق فذهب شقيقان إلى تونس الغرب ومعهما نفر من الأعراب كان اسم أكبرهما (علياً) وأصغرهما (أحمد سفيان) وعندما نشب الخلاف بينهما بسبب غدر أحمد سفيان بشقيقه استل علياً سيفه وفاجأه بضربة في رجله اليمنى فعرقبه وترك الدم يسيل منه ومن حينها لقب بـ(أحمد المعقور) وما إن علمت حاشيته وبطانته بخبر إعاقته حتى اجتمعوا حوله وعالجوه إلى أن شفي جرحه فسار بهم عبر الصحراء مهاجراً من بلاد تونس ووصل جبل مرة حيث يقطن الفور وكان عليهم ملك يسمى (شاودور شيت) اشتهر بكريم الطبع والخصال والعدل  ولما علم بقدوم أحمد المعقور أحضره فأعجبه عقله وأدبه  مما جعله يعهد إليه بإدارة داره وسياسة مملكته فأحسن أحمد المعقور السياسة حيث نظم أحوال المملكة وأصلح الأمور بها فأحبه الملك ولم يكن له إلا بنتاً واحدة زوجه إياها فولدت ولداً سماه (سليمان) شب ثاقب الفكر سديد الرأي ومحباً للخير والإحسان فأحبه أهل الجبل وألفوه ولكن والده توفى في حياة جده "شاودور شيت" ثم توفى جده فنادى أهل الحل والعقد باجتماع كلمتهم سلطاناً عليهم وبايعوه على السمع والطاعة كان ذلك في حوالي عام 848هـ ومن حينها أقام سليمان أول سلالة السلاطين العربية الذين تولوا حكم دارفور إلى أن قضى على حكمهم الزبير باشا فدخلت المملكة تحت حوزة الخديوية، وبسبب بعض الخلافات الداخلية لم يلتفت الفور لأمر كردفان ولكن بعد وفاة عمارة دنقس جدد الفور مطالبتهم بضم كردفان فاحتل السلطان ابراهيم دليل في جيش بمعاونة (الغديات والتاما) الأبيض عاصمة الاقليم دون مقاومة تذكر بيد أن نصرهم لم يدم طويلاً إذ سرعان ما دب الشقاق بين الغديات والتاما الذين ساعدوا  الفور على غزو كردفان وفي محاولة كل منهما احتلال السيادة والريادة انتهز بادي سلطان سنار تلك الفرصة واستمال الغديات لجانبه بعدما أقنعهم بعدالة حقوقهم كما أورد المؤرخ (دي كلفان) وبالتالي أصبح الغديات سادة  على كردفان في عام 1559م بمساعدة الفونج وخلع بادي على زعيمهم (الليثي) الذي اتخذ من (كازقيل) مقراً له ولقبه بـ(شيخ الجبال) بعدما منحه سلطة واسعة، ومرة أخرى بسبب الصراع بين الكنجارة والمسبعات والحرب الدامية التي امتدت نحو عشر سنوات انتصر إدريس جعل ابن صابون على المسبعات في عام 1578م وعندما فقد المسبعات الأمل في السلطة على عرش الفور خرجوا إلى كردفان وبدخولهم لها صار الأقليم مسرحاً لاصطراع ثلاث قوى هي (الفور والفونج والمسبعات)، هذا السرد التاريخي يوضح بجلاء أن كردفان كانت محوراً لصراع كبير وأطماع عديدة مما أضفى على أدبها حماسة وقوة خاصة أن الصراعات تنشئ أدب الملاحم المصحوب بإيقاع الدفوف والطبول، فالسوداني يعيش بقوته وأعصابه وكل رجولته كما يعيش بقلبه وعواطفه كذلك ولكنه يؤثر وصف صورة القوة في شعره أكثر من وصفه للعواطف الجياشة سيما في سالف الزمان إبان الصراعات والحروب وإيثاره لها وتحققه بها في كفاحه للحياة ونضاله من أجل البقاء، لذلك حينما نقرأ بعض الأبيات المنسوبة لأحد الشعراء الشعبيين نلحظ القوة والغلظة ووعورة الجانب كما جاء في قول الشاعر:

ربعن ما أكل لي مدة الخاموس       ودا أسد بيشة البقوم من عجته الجاموس
جمرة نار صبي عينو وضوافرو الموس     دا ابو جمعة البسوق من قصته الناموس
ادريس جابتو اللبوة من القنات               ينفر وينطبق يرقد تلات طيات
أسد الكرمت الوثبات متابعات                 يعزل في مكان العنز الفاردات
ولدت أمو بقة عقود السم                    جاموس الخلا البكرف حركة الدم
الدود إن نهر تحت الأرض تتلم            يا مكازي الأمير احسب أيامك كم

هكذا كانت كردفان مستوطنة بأدب الحماسة والملاحم فنشأ ما يسمى بالأدب السياسي مما حفز الأدباء والشعراء للتنقل والترحال في ريفها وحضرها وكانت ملاذاً ومقاماً لمجموعة منهم إذ شرفها شعراء حقيبة الفن ومنهم بالطبع الشاعر الفذ عبد المطلب أحمد عبد المطلب المشهور بـ(حدباي) الذي ولد بحي (ود درو) بأم درمان عام 1901م ولقب بحدباي لأنه كان في صباه كثير الشجار مع أقرانه، والتحق في مستهل حياته كاتباً بالدوانكي في مصلحة الأشغال واستمر بها مدة جاوزت العشرين عاماً كان خلالها يدمن مطالعة المجلات المصرية (كالهلال والرسالة والمصور وابوللو) كما كان دائم الاقتناء للكتب الأدبية مثل (جوهر الهلال والمستطرف) وبدأ بتنظيم الدوباي على ذات النهج الذي كان سائداً آنذاك ولكنه لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما اندفع بكل ما يملك من إحساس للساحة الغنائية الجديدة بل كان أسير الدواخل للشاعر الكبير الفنان خليل فرح الذي أصبح مثله الأعلى لذلك يعتبر أكثر إلماماً بتراث الخليل ومعرفة لسيرته الخالدة خاصة وقد عاشا معاً أربع سنوات في غرفة واحدة ولم تنقطع صداقتهما خلالها إلا برحيل الخليل وحينما شرف حدباي كردفان للعمل بالدوانكي غنى له المطرب الشعبي عبد الفتاح عباس:

البي صباها اسمعوا قولي بحكي نباها  ان جادت على حبابا دي اللابسه العفاف جلبابا

ولأن الشاعر حدباي كان يطوف مرابع الحسن والجمال لذلك عرف بشاعر الجمال،  وكانت له علاقة اجتماعية مع وجهاء بلادنا مثل محمد عثمان منصور الذي عندما تزوج في عام 1928م أهداه صديقه حدباي أغنية (زهر الرياض) التي غناها كرومة بمصاحبة الأمين برهان وكان الكورس الفني من الشاعر حدباي والفنان عبد العزيز مصطفى، وتتجلى شاعرية حدباي وعبقريته في اعتذاره الظريف بقوله (يا محمد ابياتي القلال) ولكن الشاعر رغم قافية قصيدته التي بدأت بحرف (الحاء) انتقل بمهارة لقافية أخرى لاحظ مفردات تلك القصيدة الاجتماعية الرائعة كما أوردها الباحث (محمد حسن الجقر):

زهر الرياض في غصونه ماح      اتراخى في الساحة ام سماح
شايقني الطبعو الجماح 
هاك مني اقوالاً صحاح             لا كلفة لا خوف لا لحاح
خانني عيني الشحاح                بي  الدمعة ما سقن البطاح
اجمعن والشادي صاح               بي نغمة الشعرا الفصاح
شرفلوا بالمرض النصاح             من حينو فارقني النصاح
لا انحل لا ضاق البراح              الخالي مطلوق السراح

ويواصل في قافية أخرى: فيقول:

ما بنسى أصوات الهديل          والراسي اب ديساً جديل
والحشمة  اب غصناً عديل
اطربنا يا شادينا زين              مجلسنا وافرح للحزين
يا محمد ابياتي القلال            تاج في رؤسهم وليك هلال
بي قدرة الحي ذو الجلال         تتهنى في بيت الحلال

وكدأب الشعراء كانت المساجلة حاضرة لذلك جارى الشاعر حدباي قصيدة الرائع الشاعر أبو صلاح الذي كان أول المهنئين للعريس محمد عثمان منصور وقد  قال في نفس المناسبة:

عشت يا منصور في نعيم             عليك يدوم الهنا
احتفالك للكون يعم                     يحبس الأفكار يرهنا
والهلال بي سرورك زعيم             كيف نجومه اتدلت هنا
في احتفال يا منصور عظيم           تحيا تبلغ طول المنا

كما كتب الشاعر خليل فرح قصيدة (تم دور ادور) التي يقول في بعض مقاطعها:     

قام محمد بشر هز فوق تيجانن           سل سيفو  وكشر
زي بدر التمام
ما في عين تتحسر دام عريسنا دام        والحسود اتحسر
زي بدر التمام

وكذلك عندما شاهد الشاعر حدباي بص طالبات مدرسة الأبيض الثانوية  تملكه شيطان الشعر فكتب مساجلة قال في بعض أبياتها:

بص المدرسة البصيتلو بصة عابر         ومن داخلو انطلق سهماً يولول هابر
حش حشاي ما خلالي عضماً جابر           واحتار الدليل يا شعرا  فيكم خابر
لم يكن الرد من الشاعرين المجيدين (سيد عبد العزيز وقاسم عثمان) فقط كما يظن أغلب أهل كردفان وإنما توسعت المساجلة تماماً ودخل في خطها الأديب عبد القادر منعم منصور "ناظر حمر" الذي قال:

عم حدباي شاعر الحقيبة النادر        شن وداك تبص لكل بص عابر
اجتر ذكريات ماضي الحقيبة الغابر     واسمع نصيحة الشرتاي عبد القادر

فما كان من صاحب ديوان (أغاني الأجيال) الشاعر المعلم (عثمان بخاري) ابن كردفان الرؤوم إلا أن دردق المساجلة لملعبه تماماً ولم يرض أن يفوته الميري فقال:
بص المدرسة عجلاتو ستة يرزن     وقطع البرتكان الجوة فيهو ينزن
حش حشاهو ومن طريقو يفزن              وجابن خبيرو وفي قليبو يحزن
شفتك من بعيد زي السحاب تنساب    وشايفك مبتسم شايب في صورة شاب
والحيا والعفاف ضربن عليك حجاب       والجلسن عليك كل واحدة شايلة كتاب
هدي في مشيك رفقاً بهن يا سايق            وشيل الصبر أوعاك تكون مضايق
شان خلف الزجاج أنا شفت جمعاً رايق       ناس من برتكان تحلف كأنو شقايق
بص المدرسة مكتوبة كلمة باص             فوق صفحتك يا أجمل الأقفاص
عندي اقتراح يمحوها عنك خلاص           واكتب عليك يخت للأميرات خاص
ومن الأدباء بمدينة الأبيض الذين ترعرعوا في حواريها وميادينها ودرسوا في مدارسها ومعاهدها الأستاذ الأديب الراحل (زهاء الطاهر) الذي كان منشداً عذب الصوت حافظاً لدوواين الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور (الناس في بلادي) و(أحلام الفارس القديم)، وكان ينشد بصوته في الحدائق العامة وعند الأمسيات رائعة عبد الصبور التي يقول في بعض مقاطعها:

ورتقت نعلي في الطريق          ولعبت النرد بيني والرفيق

كان عليه الرحمة والمغفرة يكتب في الملحق الثقافي بمصلحة الإعلام  في مديرية كردفان ويشرف عليه بمصاحبة الأستاذة نعمات علي جاد الله في سبيعنات القرن الماضي وكانت له علاقة حميمة مع مساعد محافظ مديرية كردفان آنذاك الأستاذ عبد الكريم عبد الرحيم وأيضاً مع أسرة عوض بلال لا سيما ابنهم (موسى) وزير الصناعة الأسبق،  كما عمل زهاء بالصحافة  الثقافية في العاصمة القومية وكتب مسرحية (عكف) ومن ثم هاجر للخليج وعمل موظفاً في الصحافة الأدبية والثقافية ومن زملائه في المعهد العلمي بمدينة الأبيض الأستاذ إسحق محمد الأمين وكذلك ألف زهاء العديد من  القصص القصيرة مثل مجموعة (وين يا حبايب) تحدث فيها عن أبناء جيله ورفقاء دربه ومنهم الأساتذة الأدباء  (التشكيلي حسن موسى الخير والأديب والمسرحي محمد عثمان الحلاج والتشكيلي محمود عمر محمود وغيرهم) وكانت قصصه تدور حول شخصيات وأحياء مدينة الأبيض مثل (خليل الزرعي وإبراهيم مجالس وفكي سحسوح) وبعد عودته من الخليج عمل بصحيفة الخرطوم وعرف بحبه للحرية وكرهه للقيود الوظيفية رغم جديته في عمله ومثابرته  ومن الأدباء الفحول الذين عملوا بكردفان المهندس الشاعر إبراهيم عمر الأمين الذي عاش أحداث وطنه بقلبه وإحساسه وتابع قضاياه في مراحلها المختلفة فلم يتخلف عن ركبها يشدو طرباً في مواضع النصر ويحدو في مسالك السير ويصب غضبه في مواضع الركود والاستسلام والعبث السياسي ويوجه ويبصر في مواضع العتاد حتى جاء الاستقلال فشدا بفرحته وفرحة شعبه يوم رفع العلم السوداني قائلاً:

لو أستطيع نظمتها الجوزاء           ورسمتها يوم اللواء لواء
لو أستطيع نظمت ذوب مشاعري      لتكون للعهد الجديد حداء
بالأمس سايرت القضية يافعاً            وتبعت في تأييدها الشعراء
ووهبتها شعراً كسبت بمثله              صحباً ولم أعدم به الأعداء
علم البلاد وأنت أنضر ما ترى          عيني وأبهى ما نظرت رواء

وعندما نقل من عروس الرمال بعد محاكمة سياسية تعرض لها بسبب قصيدته (من يشتري المجد لا يستكثر الثمنا) كتب قصيدة  أشارت لشوقه وهيامه بعروس الرمال وحنه إليها متصبراً  بالقول:

رعا الله أياماً لديها قضيتها            أرق من النجوى وأندى من المزن
تقضت ولم أقض منها  لبانة         وعاجلني نحس الملازم بالتبن
وعندي صبابات لديها غرستها         وكنت أرجي من لذاذاتها أجني
وعندي مواعيد لقومٍ ضربتها           وسرت وما قرت بلقياهم عيني
أعيدي عروس الرمل قيثاري التي     أشارك فيها صارخ الشعر واللحن
ولا تقطعي حبلي فإني عائد              لألقاك في الآمال والألم المضني
الجدير بالذكر أن شقيق الشاعر المهندس إبراهيم عمر هو الأستاذ حامد عمر الذي كان ناظراً بمدرسة الأبيض الأميرية الوسطى.  
التحية لكردفان موعودة الحسن وموطن البهاء والجمال التي وصفها شيخ شعرائها الراحل قاسم عثمان بريمة بقوله:

وديانها الفسيحة منبت هشاب وتبلدي     محملة بالنعيم وكل صباح هي بتلدي
زاهية مناظرها  تشبه جنان الخلد         راشقانا بي سهام تلك الظباء الملدي

ونواصل،،، 
















.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine