اخرالاخبار

تحت الضوء

هل فعلاً قد يحدث في نهاية العام رفع الدعم عن المحروقات.. المغامرة الخطرة

الخميس, 24 يوليو 2014 12:13 الاخبار - تحت الضوء
طباعة PDF

هل فعلاً قد يحدث في نهاية العام
رفع الدعم عن المحروقات.. المغامرة الخطرة
إعداد: قذافي عبد المطلب
نقلت الصحف قبل أيام حديث عن رفع آخر للدعم عن المحروقات قد يمرر قبل نهاية العام الحالي استكمالاً للخطوة السابقة التي تمت في سبتمبر من العام الماضي ، تلك الخطوة حينما نفذت برر لها صناع القرار الاقتصادي في الحكومة بأنها ضرورية وأنها تأتي في سياق حزمة إصلاحات اقتصادية شاملة، لكن بعد تنفيذها في سبتمبر كانت رده الفعل كبيرة على مستوى الشارع حيث اندلعت احتجاجات شعبية غير مسبوقة تنديدًا بهذا الأمر وإن كان التقييم الحكومي لها تم على أساس أنها أعمال تخريبية. اليوم وفقا لماجاء في الصحف عن رفع جديد للدعم عن المحروقات (السوداني) وضعت أربعة أسئلة وطرحتها على أربعة من الخبراء والسياسيين تقدمهم الخبير الاقتصادي د.محمد الجاك والعضو القيادي في الحزب الشيوعي السوداني كمال كرار إلى جانب القيادي بالمؤتمر الوطني د.ربيع عبد العاطي فضلاً عن نائب رئيس اتحاد عمال السودان الجنيد أحمد محمد صالح :
\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\
د.محمد الجاك: طبيعة السوق الذي تتحكم فيه أسعار احتكارية لا يجدي فيه الدعم
كمال كرار : الحكومة تستفيد من رفع الدعم بزيادة عائداتها على حساب المواطن
ربيع عبد العاطي: من الصعب التكهن بالنتائج السياسية في حالة رفع الدعم
الجنيد: رفع الدعم عن المحروقات أبغض الحلال

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\
هل حقق رفع الدعم عن المحروقات في سبتمبر الماضي فوائد اقتصادية؟
ربيع عبد العاطي:
طرحنا السؤال وانتظرنا من الدكتور ربيع عبد العاطي مرافعة طويلة حاشدة بالإيجابيات التي جلبها رفع الدعم عن المحروقات لكن الرجل أطلق ضحكة صغيرة وقال (ما شايف ليهو فوائد).
الجنيد احمد محمد صالح :
رفع الدعم عن المحروقات أبغض الحلال أثره سالب على السوق الذي أصبح فوق طاقة العمال، واتضح ذلك من خلال الدراسات التي يجريها المجلس الأعلى للأجور والتي أثبتت أن البون شاسع بين ما يتقاضاه العامل من أجر منسوبًا إلى التكلفة الحقيقية للمعيشة وأوضحت أن الأجر يساوي 14 في المئة من تكلفة المعيشة والآن لا تتعدى نسبة الأجر إلى التكلفة رقماً أحادياً.
كمال كرار:
أولاً الحكومة منذ أن أعلنت سياسة التحرير الاقتصادي لا تدعم أي سلعة والرفع المقصود هنا هو زيادة مباشرة في الأسعار وتكرر الحديث عنه في الآونة الأخيرة بسبب العجز المزمن والمتزايد في الميزانية بعد فقدان إيرادات البترول ولم يبقَ أمام الحكومة للإنفاق على الحرب سوى رفع أسعار السلع غير المرنة وهي تلك التي ليس لها بدائل واستسهلت رفع الدعم عن المحروقات علماً بأن زيادة جنيه واحد على سعر جالون البنزين يحقق أكثر.
د.محمد الجاك:
رفع الدعم في الواقع يعني زيادة الأسعار، لطبيعة السوق الذي تتحكم فيه أسعار احتكارية وبالتالي لا يجدي فيه الدعم الذي يجدي في المقابل في الأسواق القائمة على التنافس وهذا لا ينطبق على الاقتصاد السوداني.
الدولة لجأت لرفع الدعم لزيادة إيراداتها وسد العجز لكن الواضح هو أن العجز في حالة تزايد لأن الدولة لا تتحكم في نفقاتها حسبما أجيزت في الموازنة وذلك قد يكون ناتج من ظروف الحرب لكن في كل الأحوال لا زال العجز هو السمة الأساسية كذلك الدولة تتحدث عن رفع الإنتاج لكن زيادة أسعار المحروقات كان لها آثار سالبة على قطاع الإنتاج وهذا ما يهزم سياسات الدولة في تخفيض معدلات التضخم والبطالة والفقر ودعم الإنتاج ضروري لأنه السبيل الوحيد لرفع سعر صرف العملة المحلية.
\\\\\\\\\\\\\\\\\
السؤال الثاني
برأيك ما أثر رفع الدعم عن المحروقات على الأداء الاقتصادي؟
ربيع عبد العاطي:
الهدف من رفع الدعم ليس إشقاء الناس بل كان يفترض أن توجه عائدات رفع الدعم نحو قطاعات الإنتاج لكن يبدو أن هناك خطأ ما حدث ولم تذهب العائدات إلى وجهتها المحددة ولا أستطيع أن أقول هنا أنها تم تبديدها.
والأمر حقيقة يحتاج إلى دراسة عن سبب عدم نجاح الوصفة الاقتصادية فإما أن يكون الرفع كان خطأ في ذاته أو أن خللا ما شاب تنفيذ الوصفة.
الجنيد أحمد محمد صالح :
لم يحقق أي تحسن
كمال كرار:
(مافي أي فائدة) الفائدة الوحيدة تجنيها الحكومة بتزايد عائداتها لكنها تحقق ذلك على حساب المواطن الذي يعاني لذات السبب من ارتفاع أسعار السلع من ضنك المعيشة والمقارنة معدومة بين ما كان عليه الحال قبل سبتمبر وبعده فالمعدلات الرسمية للتضخم فوق (47%) بينما المصادر المستقلة تقول (70%) تكلفة النقل زادت إلى ما بين 25 إلى 40 حسب الخطوط وأسهمت في زيادة طفيفة في مرتبات العاملين في الدولة والقطاع الخاص بصورة لا تتناسب مع أسعار السوق وميزانية 2014 حملت عجزاً مقداره 8 مليارات جنيه.
د.محمد الجاك:
بالتأكيد الأداء الاقتصادي كان أفضل قبل رفع الدعم لأن رفع الدعم أدى لنوع من الانكماش فتضرر به المنتج والمستهلك لذلك الوضع الاقتصادي متردٍ كما تقول المؤشرات العامة المتمثلة في التضخم وتصاعد سعر الصرف والنتيجة هي هذا الانكماش الماثل.
\\\\\\\\\\\\\\
السوال الثالث
هل هناك بدائل أخرى يمكن اللجوء إليها ؟
ربيع عبد العاطي:
هو أصلاً المسائل الاقتصادية والسياسية متصلة ببعضها البعض والعلاقات الدولية وبالتالي من الخطأ أن نجمد نفسنا في تعريفات غير صالحة.. المسألة الاقتصادية تحتاج إلى نظرة شاملة والتعمق في المشكلات وبالتالي القضية قضية شائكة المسألة ليست بديلاً محل بديل.
الجنيد أحمد محمد صالح :
نعم هناك بدائل اقتصادية حقيقية تضخ العافية في الاقتصاد السوداني وسداة الأمر أن يكون هناك إنتاج وإنتاجية حقيقية للنهوض بالاقتصاد والعناية بالمنتجات المختلفة زراعية صناعية وغيرها.
كمال كرار:
* البديل المنطقي لا يتواءم مع الرأسمالية الطفيلية و هو ترشيد الإنفاق الحكومي بصورة كبيرة بتقليص الولايات والوزارات وتخفيض مرتبات الدستوريين و ترشيد الواردات واسترداد الأموال المنهوبة وهذه توفر أكثر مما يوفره رفع الدعم عن المحروقات.
د.محمد الجاك:
بناء على السياسة الاقتصادية لتي تعتمدها الدولة وافتقار السوق لعنصر التنافسية الذي يعد من الشروط الأساسية لأداء أفضل وفي ظل قلة وضعف المؤسسات الاقتصادية فإن البديل الذي يناسب هذه الظروف هو أن تتدخل الدولة وتحدد الأسعار بما يتوافق ودخول الأفراد، والدولة لابد أن تشارك في النشاط الاقتصادي ويجب ألا تترك النشاط للقطاع الخاص وتنسحب بشكل كلي ومن الضروري أن تضع الرقابة على الأسعار وترفع المؤشرات الاقتصادية بنفسها .. رفع الدعم تم بدرجة لا يتحملها الاقتصاد.

\\\\\\\\\\\\\\\
السؤال الرابع
هل تعتقد أن رفع دعم (جديد) عن المحروقات ستكون له فواتير سياسية وأمنية؟
ربيع عبد العاطي:
فاتورة سياسية؟ نعم بالتأكيد فالإصلاحات الاقتصادية دائما تأتي بتداعيات ومن الصعب التكهن بما يمكن أن يحدث إن أقدمت الحكومة على رفع الدعم المحروقات مجدداً.
الجنيد أحمد محمد صالح :
نحن لا نتحدث عن ذلك لكن نقول إننا نرفض جملة وتفصيلا رفع الدعم عن المحروقات والدواء والقمح والكهرباء وطبيعي جداً أن تثير زيادة الاسعار حفيظة وغضب الشعب وأعتقد أن الحكومة تتحمل كامل المسؤولية في ذلك وأي معالجات اقتصادية يجب أن تراعي تلك الجوانب.
كمال كرار:
الحكومة على استعداد لدفع أي فاتورة سياسية لكن الوضع أصبح فوق الاحتمال ومن الممكن أن تؤدي أي خطوة كتلك التي اتخذها النظام في سبتمبر إلى انفجار الغضب الشعبي مع العلم بأن هناك جهات تتحين المواسم لزيادة المخصصات .
د.محمد الجاك:
هو طبعاً الأداء الاقتصادي يولد نوعاً من السخط سواء وسط المنتجين أو المستهكين وتطوره إلى مظاهرات يتوقف على البيئة السياسية وأعتقد أن ما حدث في سبتمبر يمكن أن يتكرر رغم فداحة فاتورته الاجتماعية لكن الدولة لها القدرة على مواجهة هذه الاحتجاجات التي لا أعتقد أنها ستضر النظام.



 

أهم وأخطر الإفادات.. ماذا قالوا عن 19 يوليو؟

الأربعاء, 23 يوليو 2014 12:55 الاخبار - تحت الضوء
طباعة PDF

في حواراتي معهم:

أهم وأخطر الإفادات..
ماذا قالوا عن 19 يوليو؟
على الرغم من النكد الذي يواجهنا في مهنة الصحافة هذه، إلا أنها في النهاية تتيح لنا الفرصة للقاء الكثير من الشخصيات التي صنعت للبلاد تاريخها بفصوله السعيدة والحزينة. شخصياً كنت قد أجريت في أوقات سابقة حوارات صحفية مع ثلاثة من أبطال انقلاب هاشم العطا في التاسع عشر من يوليو 1971م؛ تلك الحادثة التي مضى عليها يوم السبت الماضي (43) عاماً، ولا تزال العديد من أسئلتها الجوهرية محفوظة في صدور رجال كثر، منهم من قضى نحبه ومنهم ينتظر. الذين التقيتهم في حواراتي الصحفية، هم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، الأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير السابق للحزب الشيوعي السوداني المتهم بالتورط في الانقلاب، إضافة إلى أحمد سليمان المحامي كشاهد رئيس على الأحداث. من الحوارات الثلاثة - التي ذهبها أصحابها لربهم - أجتزئ الحثيثيَّات الخاصة بانقلاب 19 يوليو، وما تلاه من محاكمات تذكيراً بما جرى:
الخرطوم: ضياء الدين بلال



جعفري نميري:
لم أكن أعرف عبد الخالق محجوب ولم أتعامل معه..
*المعروف عنك أنك تخلصت من كل حلفائك أفراداً أو تنظيمات؟
تخلصت من السيِّئين.
*تخلصت من كل أعضاء مجلس الثورة؟!.
لا.. أبداً.
*قل لي واحداً تم الاستغناء عنه.. من مثلاً؟
قتلت.. منذ البداية بابكر النور وهاشم العطا وفاروق حمدنا الله
و
-مقاطعة -
*هل تسمي ما حدث استغناءً؟
*استغناء بالقتل؟
ماذا تقصد بالقتل؟ (نحن قتلناهم ولا حاكمناهم.. خلوا عندكم ضمير يا صحافيين.. لقد قدمناهم إلى محاكمة والمحكمة حكمت عليهم بالقتل).
*هل إذا عاد بك التاريخ ستقر تلك الإعدامات؟
أفتكر أي زول يقوم بعمل ضد قانون البلد يقدم إلى محاكمة، وهي التي تقضي في أمره بالإعدام أو غيره.
*أنت قمت بانقلاب ضد دستور وقانون البلد.. قمت به ضد حكم ديمقراطي منتخب؟
كنت أنتظر إذا قبضوا عليَّ أن يقدموني لمحاكمة.. فقد حوكمت عدة مرات.
*هل تعتذر عن أفعال أو أخطاء ارتكبتها في السنوات الست عشرة التي حكمت فيها؟

مايو لم تخطئ أبداً.. فقد أخطأ الناس.. الذين تسابقوا لمقاعد الحكم وعلى رأسهم الترابي.
* لقد أعدمت عدداً كبيراً من السياسيين السودانيين؟
هؤلاء ارتكبوا أخطاءً، وقدموا للمحاكمة، تقول لي إعدامك كأنو أنا قاتل.. هل أنا قاتل شلت سكين قتلت الناس.. أنا وقفت ضد ضرب عبد الخالق وقرنق بالرصاص لأن هذا شرف للعسكري.
*لماذا أعدمتم الشفيع وهو لم يشارك في الانقلاب؟
أمشوا أسألوا ناس المحكمة التي حكمت بإعدامهم.
*أنت كنت تراجع المحاكمات.. وتوصي بالإعدام؟
كنت أراجعها عبر مستشارين قانونيين.. هم الذين ينصحونني بالأحكام المناسبة.
*هل إعدامهم كان بنصيحة من المستشارين؟
طبعاً.. عن طريق المحكمة والمستشارين.. وهناك أنواع من المحاكم لا تحتاج لمستشارين.. وحتى رئيس الدولة لا يستطيع إيقافها.
*هل المواجهة التي تعرضت لها من قبل فاطمة أحمد إبراهيم زوجة الشفيع ونعمات مالك زوجة عبد الخالق.. هل تركت في نفسك أي أثر؟
أنا لا شفت فاطمة ولا نعمات ولا أعرفهما.. فاطمة في حياتي لم أرها، ولا نعمات مالك.. رأيتهما في الصور.
* هل لك حراسة خاصة؟
لي حراسة من الدولة مش حراسة لكن متابعة.. ولقد رفضت ذلك عدة مرات ولكنهم أصروا عليها.
*ألا تخشى أعداءك؟
أنا ليس لي أعداء.. بالأمس القريب كنت أذكر في المولد في أوساط أعداد كبيرة جداً.
*قيل إنك حينما كنت تحاكم ضباط 19 يوليو كنت مخموراً، هل هذا صحيح؟
لقد كنت مقبوضاً في القصر كذا يوم.. خرجت من القصر إلى الشجرة لتنظيم القوات. طيب منو الخواجة الجاب لي الشراب.. ولا أرسلتو لي إنتو؟..
-سألني: هل تشرب؟-
قلت: لا.
لم يكن هنالك وقت للشراب.. هذه فرية وكذبة كبرى لا أساس لها من الصحة.
*بمناسبة العصا التي أمامك.. قيل إنك كنت تضرب بها وزراءك.. هل هذا صحيح؟
- ساخراً -
قال: أضربهم بالعصا أم باليد؟. كنت أحاسبهم على أخطائهم دون أن أحتاج لاستخدام العصا أو اليد.. هذه شائعات ليس أكثر.
*أريدك أن تتحدث عن بعض الشخصيات في سطور.

*المقدم بابكر النور.
شيوعي.
*عبد الخالق.
شيوعي.. رئيس الشيوعيين ولم يتعامل معي ولا أعرفه جيداً.
*نقد.
صديق، وهو شيوعي.
*هل كان يمكن أن تعدمه إذا ألقي القبض عليه؟
هذا بحسب أحكام قضاة المحاكم التي عقدت وقتها.
*الصادق المهدي.
متهور ولا يعرف في السياسة شيئاً.
*الشفيع.


مابعرفو.
=========================================


أحمد سليمان:
كان لا بد من المحاكمات لأن ما حدث في بيت الضيافة شيء فظيع!!

*إذا نجح انقلاب (19) يوليو، مَا أول شيء كُنت تتوقّع أن يفعله عبد الخالق؟

رفع حَاجبيه بتلك الطريقة المُثيرة للانتباه ثم قال: (كان سيعدمني أول زول) ومعي بعض الشّخصيات مثل معاوية سورج وآخرين، الشيوعيون كانوا صعبين جداً.
*عندما استمعت لخبر إعدام نميري لرفقائك السابقين ماذا كان وَقْعَ الخبر عَليك؟
كان لا بد أن يحدث ذلك، فما حَدَثَ في بيت الضيافة كان شيئاً فظيعاً، الجيش ما كان حيسكت.
* هل حزنت على عبد الخالق؟
(..........)  حزنت جداً على الشفيع أحمد الشيخ.. الشفيع لم يكن على ود مع عبد الخالق، وكانت له تحفظات عليه خاصةً بعدما حدث لقاسم أمين.
*هل كان قاسم أمين مُنافساً لعبد الخالق؟
عبد الخالق كان يخشاه جداً.. لأنّه كان - يقصد قاسم أمين - أكثر شخص مُناسب لمنصب سكرتير الحزب الشيوعي.
*عندما تلتقي بجعفر نميري حالياً ماذا يدور بَينكما؟
كل الود، نحن كنا أصدقاء، أو بالأصح هو كان صديق شقيقي محمد أحمد الحاج سليمان.
=================================== =
محمد إبراهيم نقد:
نميري كان في حالة هياج ولو قبضوا علي لأعدموني!!

*كيف عايشت اللحظات الأخيرة لانقلاب 19 يوليو؟
في اليوم الثالث بعد انتهاء الموكب ذهبت إلى منزلنا في بحري «وطوال هذه المدة لم أذهب إلى بحري» وأخذت حماماً وغيرت ملابسي - ولم تكن زوجتي موجودة، وكان أخي الصغير معنا، لكنه لم يكن موجوداً أيضاً، ثم رجعت إلى الخرطوم وجلست في المكان الذي أعمل فيه لكي أرى ما يحدث، وفي هذه المدة بدأ ضرب المدفعية.
*وماذا عن خبر احتجاز بابكر النور وفاروق حمد الله؟
هذا عرفناه منذ الصباح الباكر.. منذ الموكب.
*طيب احكِ لنا تلك اللحظة؟
- *إذاعة لندن أذاعت أن ليبيا احتجزت بابكر النور وفاروق حمد الله، وأذكر أنني ذهبت لعبد الخالق في المنزل فقال لي إنه على علم بما حدث، فقلت له: (الناس يعتقدون أنه لا بد أن نعمل خطوة سريعة). قال لي: أولاً نجتمع لعمل تقييم للموقف، لكن العمل يجب ألا يتوقف والجماهير يجب أن تستمر في الموكب ولا تنشغل بما حدث حتى نحل المسألة.
*هل أحسستم بالخطر؟
طبعاً.. هذا هجوم.. وهذا يعني أنه تمهيد لشيء فأحسسنا بالخطر وبدأت الأوضاع تتداعى، وأنا مكثت في الخرطوم إلى أن سمعت أن نميري قد هرب وأنه سيقوم بإذاعة بيان.
*أين كنت في ذلك الوقت؟
في داخل الخرطوم.
وما إن رأيت نميري في التلفزيون، حتى أدركت تماماً أنه بدأ يمسك السلطة، فاستمررت ماكثاً في بيت معين منذ يوم «19» إلى يوم «23» وخرجت يوم «24» نهاراً على أساس أن عبد الخالق كان يوم «22» في أمدرمان، وأنا كنت أنتظره في المنزل بالخرطوم على أساس أن نتحرك لبيت آخر ولم يأتِ.. وأحسست أن صاحب المنزل تضايق من وجودي وكنت لا أريد أن يتحمل مسؤولية أنني معه، وهو نفسه مهدد، ويمكن أن يأتوا لاعتقاله في أي وقت، لأن نميري أمر بأن لا يخبئ أحد الشيوعيين. فخرجت وذهبت لمنزل آخر وخرجت صباحاً.
*مقاطعة: هل خرجت متخفياً؟
لا.. كنت ألبس جلابية وعمامة، لكن كان لا بد أن أخرج لأعرف أين عبد الخالق الذي كان من المفترض أن يعود من أمدرمان لمقابلة شخص معين يقوده إلى بيت معد له.
*انقطعت الصلات التنظيمية بينكم؟
جماعة نميري حاصروا الكباري وحاصروا كل مكان وكان هناك تفتيش وحظر التجول يبدأ الساعة السابعة فكانت الحركة صعبة وأصبحت القصة في كيفية وصولي إلى أم درمان للالتقاء بعبد الخالق.
وفي الطريق إلى أم درمان التقاني شخص وقال لي: (قالوا إن عبد الخالق اعتقل). وبقي أمامي ألا أرجع إلى ذلك المنزل الذي كنت فيه وأصبحت أتجول في الخرطوم طوال النهار رغم كل التدابير الأمنية لإلقاء القبض علينا.
*ألم يقابلك أحد أو لم يعرفك أحد؟
ربما يكون البعض قد رأوني لكنهم «طنشوا». لكن في الآخر تذكرت أن لدينا زميلاً مسافراً وزوجته غير موجودة، وأنا أعرف كيف أفتح المنزل فذهبت وبقيت هنالك وخرجت في المساء.
*احكِ لنا شعورك في تلك اللحظات؟
هذا يحتاج إلى شعر.. -يضحك بشدة- كنت أحس بالخطر، لكن لم أكن مشلول التفكير، والمهم في الآخر خرجت من المنزل الذي كنت فيه وأنا أسير، حين تبقت دقائق على الساعة التاسعة وقت حظر التجول.
*كيف كان طعامك وشرابك في ذلك اليوم؟
المنزل الذي دخلت فيه كان به بقية طعام في الثلاجة، قليل من الجبنة والرغيف، لكن لم تكن هذه هي المشكلة، لكن عندما خرجت إلى الخرطوم (3) وأنا أسير، بدأ حظر التجول، وكان هناك شخص أعرفه يدخل عربته فناديته «يا فلان» وقلت له: «أنا فلان». فقال لي: «حبابك عشرة». فدخلت معه فقال لي: لسوء حظك أهلي من الجزيرة جاءوا بالداخل وهم يعرفونك. فقلت له: فقط أريد البقاء معكم حتى الساعة الخامسة صباحاً ومع نهاية حظر التجول سأخرج. وفعلاً خرجت مبكراً ومشيت إلى داخل الخرطوم ونقرت باب شخص. ودخلت ومكثت عنده يوماً.
كنت حزيناً على إعدام هاشم والجماعة الآخرين. وفي المساء خرجت لأن بيت الرجل مفتوح وأصبح لا بد أن أذهب إلى أمدرمان، لأنه هناك لدي إمكانات أكثر للاختفاء، وكان لا بد أن أصل قبل حظر التجول إلى داخل أمدرمان.
*هل ركبت المواصلات بصورة عادية؟
وصلت إلى أمدرمان عن طريق تاكسي، لكن وقفت في مكان نادي البوليس القديم، وهي محطة غير حية، وكنت عندما يأتي أي تاكسي أنظر من الذي بداخله، وبعد التاكسي الأول والثاني. ركبت في التاكسي الثالث وكان فيه «رجل أصفر اللون» يرتدي عمامة وجلابية فركبت معه.
*هل كنت ترتدي عمامة وجلابية في ذلك الوقت؟
نعم.
*هل كانت العمامة والجلابية كافية لتغيير ملامحك؟
الناس كانوا قد تعودوا أن يروني إما أن أكون بلبسة أفريقية أو بلبسة وطنية.. فوصلت أمدرمان ومن بانت وأنا أسير أسمع الناس يقولون: (اعتقلوا فلان.. أعدموا فلان).
*ذهبت إلى ابن عمي فقال لي: إننا ننتظرك منذ أول يوم ولا نعرف أين أنت. فقلت له: إنني سأمكث معك لمدة يوم. فقال لي: مرحب بيك البيت مفتوح.
-صمت لفترة-
* قطعت الصمت قائلاً: إذاً، أحسست أن الخرطوم ضيقة عليك؟
(والله يا خي نحس بيها واسعة جداً).
-يضحك-
لكن المشكلة كيف تنتقل من مكان إلى آخر حتى تصل البيت المعين.. وهناك بيوت كثيرة مؤتمنة كنا نثق في ذلك تماماً.
*هل كان هناك خذلان؟
يعني.. أنا بالنسبة لي لم يحدث بشكل مباشر.
*هل حدث لبقية القيادات بالحزب؟
هناك أشخاص ذهب إليهم عبد الخالق فخافوا من ذلك فذهب وتركهم - حسب حديثه لشقيق خالد الكد - هو لم يكن يريد منهم أكثر من أن يجلس لحظة ليوصيهم لأشخاص وعندما أحس أنهم خافوا ذهب وتركهم.
*هل كان هناك سيناريو متوقع ومعد في حال فشل الانقلاب، كيف سيؤمن الحزب قيادته؟
أحد هذه السيناريوهات أن يعمل عبد الخالق من ذلك البيت الذي جهز له في الخرطوم، كان يفترض أن يذهب إليه، وهذا البيت يعرفه شخص واحد، وكان يعرفه هاشم كذلك. يذهب ويبقى هناك والناس يكونون على صلة مستمرة به. كان يفترض أن يعود عبد الخالق للخرطوم من أمدرمان، لكنه لم يعد.
*هل كانت هنالك خيانة في الكشف عن المنزل الذي كان به عبد الخالق؟
هو عندما ذهب إلى أهله في أبو روف، وباتت تقترب منه أنفاس جماعة نميري، انتقل إلى منزل آخر. "الخيانة" جاءت من شخص يعرف البيت، لكنه ليس شيوعياً.. واسمه نشر قبل هذا، وهو ليس شيوعياً، لكنه خاف على أصحاب البيت وهم أهله (وهذه يمكن أن تجدها لدى عبد القادر الرفاعي وهو يعرف أصحاب البيت).
*هل كنت تشعر بأن نميري إذا ألقى القبض سيعدمك؟
كان سيفعل ذلك.. فقد كان في حالة هياج كاسح.
*ألن يراعي الصداقة القديمة؟
(افترض إنو راعى، هل البقية سيراعون ذلك).
*أستاذ نقد، ما هي أشهر الأكاذيب أو الروايات المختلقة أو الإشاعات المتعلقة بهذه الأحداث، وأنت لاحظتها ورصدتها من خلال متابعتك ومعايشتك للأحداث.. وما هو المثير بالنسبة لك؟
أن عبد الخالق كانت تنتظره عربة مصفحة لتهريبه إلى الحدود الشرقية.
*الناس كانوا يعتقدون أن أب شيبة كان أكثر شخصية غامضة في «19» يوليو، باعتبار أنه كان صديق نميري حتى آخر لحظة وسار معه في تنظيمه الجديد وغير ذلك؟
أب شيبة عضو في الحزب الشيوعي...(إكمال الإجابة من قبل الأستاذ نقد).
*لكنه ذهب مع النميري عندما قام بطرد الضباط الثلاثة؟
ليس وحده أغلب الضباط الشيوعيين ذهبوا معه.
*بأمر من الحزب؟
بقرارهم، وبالمناسبة هذه الأشياء الحزب لا يقرر فيها. هم قرروا ما رأوه مناسباً.
*إذاً، أب شيبة لم يكن «غواصة» بالنسبة لكم داخل تنظيم أحرار مايو التنظيم البديل لتنظيم الضباط الأحرار؟
لا.. ليس مسألة أنه كان «غواصة»، فهو لم يكن وحده في التنظيم الجديد، كل الضباط الشيوعيين الذين كانوا في تنظيم الضباط الأحرار وقفوا مع مايو وعندما انقلبت على شعاراتها انقلبوا عليها.
*هو حزب شيوعي سوداني؟
أنا كل يوم أفاجأ -يضحك-
عزلة مايو - لأنه عندما أزاح خالد الذي كان قائداً عاماً، ومأمون وغيرهم لم يتحرك أحد
*طوال هذه الفترة هل كان هناك تداعٍ عفوي بأن تتحرك؟ هل كان هناك مركز خارجي أو داخلي نسق لعملية استهدفت «19 يوليو» أم كان مجرد سوء حظ؟
أنا قلت لك إن هناك شيئيْن تقرأهما: «الأشياء الخاصة بـ«5» أكتوبر الناس الذين تحركوا بالدبابات.
*أهم العبر.. الأخطاء المتعلقة بـ19 يوليو؟
العبرة.. التفكير الانقلابي نحن كنا ضده سياسياً لكن عملياً وقعنا فيه.
-صمت-
ثم قال: (شوف.. نحن اشتركنا في انقلاب عبد الرحيم شنان ومحيي الدين في أول مارس وفي 4 مارس، واشتركنا في محاولة انقلاب أبو الدهب في مايو 1959م «وناسنا اتحاكموا» واشتركنا في انقلاب علي حامد وقدم محمد محجوب للمحاكمة. وهذه كلها اشتركنا فيها ولم ننكرها، ونحن كنا طرفاً في مايو وعندما حاولت مايو «اللخبطة» انقلبنا عليها لذلك قمنا بعمل تقييم ونحن الحزب الوحيد في هذه البلد الذي كتب كل شيء عن انقلاباته.

 

بعد اشتداد عملية الجرف الصامد في قطاع غزة.. الخرطوم.. هل تكون في مرمى النيران الإسرائيليَّة؟

الثلاثاء, 22 يوليو 2014 12:37 الاخبار - تحت الضوء
طباعة PDF

بعد اشتداد عملية الجرف الصامد في قطاع غزة..
الخرطوم.. هل تكون في مرمى النيران الإسرائيليَّة؟
\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\
الصوارمي: حادث مخزن الذخيرة بالجيلي لا تصح نسبته لأي جهة خارجية أو ربطه بصواريخ يتم ترحيلها لحماس
**********
الخبير العسكري اللواء (م) إدريس مختار: محتمل أن تقدم إسرائيل على تنفيذ غارات محدودة على مناطق بالسودان لسحب التركيز الإعلامي المسلط على قطاع غزة لمنطقة أخرى


تقرير: خالد أحمد

الصواريخ من طراز m75، التي تمطر بها حركة حماس البلدات والمدن الإسرائيلية هذه الأيام، خلال المعركة التي تدور رحاها في قطاع غزة، تجعل كل الأوضاع مرتبكة، خاصة في الخطط العسكرية في تل أبيب، وقد تجعلها أيضاً تفكر بالعقلية العسكرية التي تريد انتصاراً عسكرياً يرفع من الروح المعنوية للجنود الضاغطين على الزناد. هذا النصر قد يكون على حساب الخرطوم، التي ظلت على الدوام متهمة بدعم المقاومة الفلسطينية وحركة حماس على وجه الخصوص، لذلك يزداد هذه الأيام احتمال أن تنفس إسرائيل الضغط الذي يمارس عليها على مستوى الميدان، بتجديد ضرباتها بعيداً عن قطاع غزة، وقد تصل لأهداف للخرطوم.
وهذا ما ظهر أوله في الأيام الماضية، عندما حدث انفجار في منطقة الجيلي، في أحد مراكز التدريب التابعة لإحدى القوات النظامية، وشاع في الأنباء أن هنالك غارة إسرائيلية استهدفت هذا الموقف. إلا أن الناطق باسم القوات المسلَّحة، العقيد الصوارمي خالد سعد، نفى هذا الأمر، وقال إن الانفجار حدث في أحد المخازن في مركز للتدريب، وأدى لإصابة عدد من الأشخاص، ونفى أن يكون هذا العمل ناتجاً من عمل عدائي خارجي أو تخريبي –في إشارة هنا لنفي الأخبار التي أوردتها بعض الصحف الخارجية.
يوم أمس، نشرت صحيفة "هاراتس" الإسرائيلية ذات الحادث، وقالت إن هذا يأتي في ظل استهداف مناطق للصواريخ بعيدة المدى، تُمدُّ بها حماس من قبل الخرطوم، وهذه هي ذات الذريعة التي استخدمتها إسرائيل طوال سلسلة هجماتها على السودان، لذلك قد تتحسب الخرطوم هذه الأيام لمثل هذه الهجمات.
العقيد الصوارمي أمس قال في تصريح إن الجيش السوداني لا يمد حركة حماس بأي صواريخ تستخدم في رد العدوان على قطاع غزة، ورفض ربط حادث الانفجار الذي حدث في منطقة الجيلي بأي جهة خارجية، وأضاف: "إن ما ورد من اتهام للسودان بأنه يقوم بتزويد حركات مسلحة في فلسطين بالسلاح، لا أساس له من الصحة".
وأوضح الصوارمي أن بعض الجهات قد دأبت على اتهام السودان بمثل هذه الأكاذيب بين حين وآخر، وقال إن حادث مخزن الذخيرة شمال الخرطوم لا تصح نسبته لأي جهة خارجية أو ربطه بصواريخ يتم ترحيلها لحماس، فكل هذه أكاذيب لا تدعمها الأدلة ولا الشواهد.

احتمالات الضربة
التحليلات تذهب الآن إلى ضرورة وضع سيناريو لإمكانية تسديد إسرائيل ضربة في سماء الخرطوم، لإحداث التوزان الداخلي لديها، والخيارات للمناطق المستهدفة تصبح مفتوحة، فعندما حدثت آخر ضربة نفذت على مصنع اليرموك، كان نفس الاتهام بأن هذا المصنع يقوم بتصنيع صواريح لديها ارتباط بحركة حماس. الخبير العسكري اللواء (م) إدريس مختار، قال إن إسرائيل قد تقدم على تنفيذ غارات محدودة على مناطق تزعم أنها تمثل بالنسبة إليها تهديداً لسحب التركيز الإعلامي المسلط على قطاع غزة لمنطقة أخرى، بجانب رفع الروح المعنوية وإظهار قدرتها على الردع وضرب أهداف بعيدة عن أراضيها في دولة خارج نطاق الطوق. وأضاف في حديث لـ(السوداني)، أنه كلما اشتدت وتيرة المعارك في قطاع غزة وتسجيل المقاومة لانتصارات على الأرض، قد ترفع إسرائيل من درجة استهدافها للسودان، وقد تضرب مناطق حيوية.

خارطة الغارات
أغلب الضربات السابقة تمَّت في شرق السودان لقوافل، وسيارة البرادو المشهورة في مدينة بورتسودان، وقالت مصادر إعلامية إن إسرائيل قامت بعدوان جديد على السودان خلال أقل من أسبوع استهدف منقبي الذهب بالشرق في منطقة قريبة من الحدود مع مصر. وأضافت ذات المصادر أن الغارة الأولى قبل سنوات استهدفت «6» سيارات لاندكروزر، أصابت منها الطائرة الإسرائيلية سيارتين فيما فرت الأربع الباقية في اتجاهات مختلفة، ونتج عنها مصرع «4» مواطنين، ويزيد المصدر أن الضربة الثانية وقعت بعدها بثلاثة أيام حيث استهدفت طائرة إسرائيلية سيارة «بوكس»، كان يستغلها أحد منقبي الذهب وتوفي مع من فيها. بعدها وصلت الغارات الإسرائيلية للخرطوم، لتشكل خارطة دالة على احتمال تمركز أي غارة إسرائيلية قادمة، بين الخرطوم وبورتسودان.
والتاريخ يقول إن الثغرة التي أوجدها الموساد لاختراق الرادارات السودانية في مطلع العام 1984م، على سواحل البحر الأحمر، كانت صغيرة نسبياً، تغطيها جزئياً رادارات مصر والسعودية في منطقة جبلية بالقرب من الحدود السودانية المصرية، ولكنها كانت كافية بحيث تستطيع طائرة منخفضة التحليق أن تمر عبرها دون أن يُكتشف أمرها.
وبذلك تقرر أن تغادر طائرة (هيركوليس) القاعدة العسكرية في إيلات، وتحلق فوق خليج العقبة على امتداد الطريق لتهبط بجوار منتجع (عروس) في مدرج أنشئ خصيصاً لتنفيذ أكبر عملية تهريب في التاريخ.

عهد جديد
وبوصول الجبهة الإسلامية إلى الحكم في السودان في يونيو 1989م، تدهورت علاقات أمريكا بالسودان، فأدرجته عام 1993 على لائحة الدول الراعية للإرهاب، وكثفت عليه الضغوط السياسية والأمنية ثم العسكرية، ومنذ ذلك الوقت بدأ عهد جديد من الغارات عبر صواريخ كروز والطائرات المقاتلة، سواء كان عبر الولايات المتحدة أم عبر حليفتها إسرائيل وبتنسيق كامل معها.
كانت أول ضربة عسكرية تعرض لها السودان في الثاني والعشرين من أغسطس 1998 حينما قصفت الولايات المتحدة بصواريخ كروز مصنع الشفاء للأدوية في العاصمة السودانية.
وزعمت واشنطن حينها أنه ينتج أسلحة كيميائية، وتحديداً غاز الأعصاب (في أكس)، كما ادعت أن له صلة بتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. وجاء القصف الأمريكي لمصنع الشفاء بعد الهجومين اللذين تعرضت لهما السفارتان الأمريكيتان في نيروبي ودار السلام، واتهمت واشنطن تنظيم القاعدة بالتخطيط لهما وتنفيذهما.
وقد فندت التحقيقات المزاعم الأمريكية بشأن مصنع الشفاء الذي يمتلكه رجل الأعمال السوداني صلاح إدريس، مؤكدة أنه ينتج فقط الأدوية البشرية والبيطرية مما يوفر ثلثي استهلاك السودان منها.

قصف السوناتا.. ذاكرة قائمة
ورغم أن السودان لا يرتبط بحدود مباشرة مع إسرائيل، فإن الطائرات الحربية الإسرائيلية، استهدفته بأربع غارات على الأقل خلال ثلاث سنوات.
ففي الخامس من أبريل 2011، قصف الطيران الإسرائيلي سيارة قرب مطار بورتسودان على ساحل البحر الأحمر في منطقة (كدنايب) مما تسبب في مقتل سودانيين كانا على متنها.
ونفت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) حينها مزاعم إسرائيلية بمقتل القيادي عبد اللطيف الأشقر المتهم من قبل إسرائيل بتهريب السلاح إلى غزة.
وقد كشفت الحكومة السودانية النقاب عن تفاصيل جديدة بشأن الغارة، وشرعت في تنفيذ حملة دبلوماسية وسياسية واسعة النطاق، لحشد إدانة دولية للعدوان، مؤكدة تورط إسرائيل في الهجوم الجوي الذي أسفر عن مقتل مدنيين، معلنة إجراءات أمنية جديدة لضمان عدم تكرار العدوان على شرق البلاد. وأكدت الخارجية السودانية أن الهجوم على بورتسودان تم بوساطة طائرتين إسرائيليَّتين من نوع أباتشي A64-AH أمريكيَّتي الصنع استهدفتا سيارة هيونداي (سوناتا) على بعد (15) كيلومتراً جنوب مدينة بورتسودان، ودمرت السيارة تدميراً كاملاً وتفحمت جثتا الشهيدين أحمد جبريل وعيسى هداب.
وبالنظر للحادثة، فإنها تحمل الكثير من الرسائل على المستويات "السياسية والعسكرية والأمنية" بحق الخرطوم والمنطقة. ويرى وزير الدفاع الفريق أول/ عبد الرحيم محمد حسين، أن الحادثة ذات أبعاد عسكرية وأمنية وسياسية، والجزء السياسي منها كبير جداً، كما أن الجزء الأمني فيها لا يقل عن ذلك، والجزء العسكري ليس كبيراً، ولكنه جزء مهم، والإجراءات العسكرية من الممكن أن تصعب العملية العسكرية، ولكن بكل تأكيد لا تمنعها، وقال: "نحن الآن إجراءاتنا التي سنتخذها عسكرياً هي إجراءات تصعّب تكرار مثل هذه العملية بقدر الإمكان". المياه الدولية على بعد 12 ميلاً بحرياً فقط، من بورتسودان وهي تزخر بالسفن والقطع البحرية لأكثر من 17 دولة، بما فيها الوجود الإسرائيلي والغربي المكثف. ويضيف أيضاً أن هذه الأساطيل موجودة على ساحل البحر الأحمر. وأن الإجراءات تصعب المهمة العسكرية، في ظل مياه دولية على بعد 12 كيلومتراً فقط من الساحل، وهو يمتد لقرابة 750 كيلومتراً.

قصف الزوارق
وفي الثاني عشر من يناير من العام 2009، تعرض 17 صياداً سودانياً على متن أربعة قوارب للصيد بالبحر الأحمر إلى قصف قاتل، بمنطقة تلاتلا في المنطقة الواقعة شرق طوكر وجنوب سواكن، وهي على بعد 100 كليومتر تقريباً جنوب ميناء بورتسودان، مما قاد إلى وفاة أحدهم وفقد آخر. حينها؛ والشمس تجري لمستقر لها، وخيوطها الذهبية تلامس موج البحر الأحمر برفق، انطلقت أربعة قوارب للصيد في رحلة العودة محملة بصيد وفير، وأمل كبير في الربح. لم يلتفت الصيادون للمركب الرأسي، الذي كان يعتليه يمنيون وصوماليون، تذمر كبير الصيادين ورمق القارب الغريب بتوجس، ووصل تبرمه إلى بقية الصيادين وهو يسب الغرباء الذين يتسللون إلى المياه الإقليمية السودانية، ويسرقون ما يجود به البحر. ودون سابق إنذار ظهرت بارجة أمريكية مزقت سكون البحر بقذائفها التي ضربت قوارب الصيد دون تمييز أو رحمة، مما دفع الصيادين للنزول إلى الماء والاحتماء بقواربهم التي لم تلبث أن بدأت تتطاير وتتناثر شظاياها بفعل وطأة القذف، تناثر الصيادون وظنوا أنهم أصبحوا في كنف (عزرائيل). أسدل الليل سكونه ولم يعد أحد يتبين شيئاً، تجمع الصيادون قليلاً قليلاً، وتفقدوا بعضهم فوجدوا أحدهم قد فارق الحياة، بينما فقد آخر.
وقال مدير المصائد البحرية بمدينة سواكن، هجو فضل الله محمد، إن (4) قوارب صيد تقليدية تابعة لإدارته تعرضت إلى إطلاق نار مكثف من مجهولين في المياه الإقليمية السودانية، حيث أدى الحادث إلى مصرع صياد واحد وفقدان آخر، مشيراً إلى أن من بينها قارباً يمنياً يحمل عشرة صوماليين اخترق المياه الإقليمية السودانية بطريقة غير شرعية وتعرض لإطلاق النار ضمن بقية القوارب.


غارة متزامنة
وبشكل متزامن مع الغارة السابقة قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف قافلة سيارات قالت مصادر مقربة من إسرائيل إنها كانت تحمل أسلحة إلى قطاع غزة. وقالت الحكومة السودانية إنها تعود لمهاجرين سريين تعودوا عبور المناطق المحاذية للحدود مع مصر. وقد أدى الهجوم إلى تدمير (16) عربة تهريب كانت في طريقها إلى الحدود المصرية السودانية احترقت في منطقة (أوكو قباتيت) بمحلية جبيت المعادن على بعد 280 كلم شمال غربي مدينة بورتسودان.
لم يمض وقت طويل لتعاود الطائرات تحليقها وتنفذ غارة على قافلة جديدة من السيارات بالقرب من ذات المنطقة، وقال أحد قيادات قبيلة الرشايدة؛ مبروك مبارك سليم، إن قافلتين قد تم استهدافهما بشرق السودان من قبل غارتين للطائرات الأمريكية، الأولى في الثاني عشر من يناير والثانية في الحادي عشر من فبراير من العام 2009 بحجة أنها قوافل أسلحة ومتجهة إلى قطاع غزة. وأضاف مبروك بعد تنفيذ العملية بشهرين، إن الغارات استهدفت عدداً من السيارات في منطقة تقع بين (جبل صلاح) و(جبل شعنون) كانت تخص جماعات تهريب وإتجار بالبشر، نافياً أن تكون تلك قوافل سلاح، وأشار إلى أن ما عثر عليه كان (13) بندقية خفيفة (كلاشنكوف وجيم) تستخدم للحراسة الشخصية للقافلتين.

عمل الرادارات

شدد وزير الدفاع عبدالرحيم محمد حسين، على أن الأجواء السودانية ليست مستباحة، وأن التغطية التي يملكها السودان عبر راداراته تغطي الأجواء العليا، ويكشف حسين عن أن الرادارات السودانية تعمل بقدرات محدودة على ارتفاع 1000 متر فما دون، وهو أمر يجعل أية طائرة تطير أسفل هذا الارتفاع بمنأى عن الرصد، إلا أن وزير الدفاع يؤكد أن ما حدث من غارات كان حالات استثنائية، فعندما تكون الدولة في حالة حرب يستوجب عليك أن تكون في حالة استعداد وحماية، لكن ما حدث حالة استثنائية. ويزيد أيضاً أن الوضع يسهل هجوم الأعداء ويصعب علينا دور الحماية، وعندما تنظر إلى التقانة الموجودة لدى إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وفرنسا بالإضافة إلى كمية العلوم الموجودة عندهم والتقنيات الحديثة وأنواع الأسلحة التي يمتلكونها إلى جانب التعاون والتنسيق الكبير بين إسرائيل وبين هذه الدول؛ فكل هذا يجعل مهمتنا صعبة.
ويضيف خبراء عسكريون أنه يمكن تجاوز الرادارات بعدة طرق، أبرزها إطلاق صفائح معدنية أو ما شابه ذلك، أو عبر التحليق بارتفاعات منخفضة، أو عبر إطلاق موجات إلكترونية تقوم بالتشويش اللازم.

خطر ميناء بورتسودان
في إطار السيناريوهات لأي ضربة إسرائيلية تستهدف السودان قد يكون ميناء بورتسودان في القائمة باعتباره أكبر الأهداف الحيوية في السودان، وقبل فترة أنارت إسرائيل الشارة الحمراء وهددت تلميحاً بأن ميناء بورتسودان لن يكون بعيداً عن الاستهداف، بينما أرسل الناطق باسم القوات المسلحة العقيد الصوارمي خالد سعد رسائل التهدئة بأن الجيش قادر على تأمين البلاد وحمايتها من أي عدوان خارجي.
والخرطوم التي كانت تزيح عنها غبار مصنع اليرموك المنكوب وتنفي صلة إيران بالأمر خاصة في ظل هجمة إعلامية إسرائيلية تروج بأن اليرموك له علاقة بأهل فارس. وذكر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال بيني غانتز أن بلاده ستقوم بعمل كل ما يلزم لمنع ميناء بورتسودان من أن يكون منطلقاً لسفن وبوارج حربية إيرانية لتهديد وجود إسرائيل.
ويقول الخبير العسكري والحاكم السابق لبورتسودان عثمان أحمد فقراي في حديثه لـ(السوداني) إن سواحل السودان خاصة في منطقة الميناء تتمتع بتحصينات ودفاعات جيدة وهي قديمة منذ المواجهات العربية الإسرائيلية وتم نصب نظام صاروخي روسي وبعد الخلاف بين الاتحاد السوفيتي ونظام نميري تم وقف تزويده بقطع الغيار وتم تجديده وتعديله بواسطة القوات الأمريكية خلال المناورات التي أقيمت في فترة نميري أيضاً ضمن مناورات (النجم الساطع)، إلا أنه يعد قديماً في ظل التطورات العسكرية إلا أنه أشار إلى وجود مدافع مضادة للطيران في ميناء بشائر المخصص للصادر النفطي، معتبرًا أن الثغرة الكبرى تكمن في الجزر الواقعة تجاه إريتريا التي توجد بها قطع بحرية إسرائيلية إلى جانب غواصات تجوب باطن البحر.
واستبعد فقراي أن تقوم إسرائيل بعملية كبرى في بورتسودان بمعنى أن تقوم بإنزال بري وبحري، إلا أن خيار تنفيذ ضربات جوية هو الخيار الأقرب، منوهاً إلى أن على حكومة السودان زيادة التعاون بين الدول العربية وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك لحماية البحر الأحمر.


 

الصفحة 3 من 66

<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>