اخرالاخبار

أطفال المايقوما..

الأربعاء, 26 نوفمبر 2014 13:05 صفحات متخصصة - تحقيق
طباعة PDF



أطفال المايقوما..
جنى عليهم والدوهم.. وما جنوا على أحد!!
الجزء الاول بقية
تحقيق: سهير عبد الرحيم
* أطفال المايقوما أسماؤهم عبارة عن (أرقام) داخل أنابيب تحيط بالمعصم أو القدم..
* إحدى المشرفات كانت تحمل طفلا يبدو عليه الإعياء الشديد بسبب الحمى و(الإسهال)!!
* الوفيات وسط هؤلاء الأبرياء في تزايد مخيف، والأغلبية من ذوي الاحتياجات الخاصة..
* عقاقير الإجهاض تلعب دوراً خطيراً في الفتك بتكوينهم الجسماني والعقلي معا..


اسم الطفل
رأيت مسئولة قسم الاستلام وهي تمسك بالاستمارة وتضع (سنة) القلم في بداية سطر دون أن يتحرك القلم لملء الفراغ المحدد بخط متقطع, وقد كان عنوان ذلك السطر هو (اسم الطفل) ومن ثم ترك الفراغ حتى يتم ملؤه.
كانت الموظفة محتارة ماذا تسمي الطفل وانتقلت حيرتها إلى رأس القلم الذي ظل واقفا في انتظار خروج اسم من شفاه (اي كان ) حتى يلفظ ما في امعائه من حبر على تلك الورقة.
في هذه اللحظة بادرت بالقول (سمِّيه "عمر") فأجابتني الموظفة أن اسم عمر كثير جدا.
هنا ارتفع صوت الاستاذة ( نور) وهي مديرة منظمة اسمها (شمعة) تعني بالاطفال مجهولي الابوين قالت (سمّيه "عصمت"), وفعلا سمي ذلك الطفل بهذا الاسم في حين كانت جدته وخاله ضيوف شرف يستمعون لذلك الحوار ولا يحركون ساكناً ولا يبدون أي رغبة في المشاركة في اختيار الاسم.
يا سبحان الله ويا لحظ طفل المايقوما فاسمه وليد اللحظة لا يشارك في اختياره أي فرد من أسرته لا أب ولا أم ولا خال ولا جد لا أحد لديه الرغبة في اختيار اسم له في الوقت الذي يحظى فيه الطفل الشرعي بخيارات متعددة جرت حولها المشاورات والمباحثات منذ لحظة البشارة بحمله, ويظل داخل رحم والدته وهو يستمع لحديث والديه حول اسمه حتى أن الأصدقاء وأفراد العائلة يشاركون في عملية الاختيار ومن الممكن أن يغضب أحدهم لعدم اعتماد الاسم الذي رشحه .
مجرد أرقام
الأطفال في دار المايقوما عبارة عن (أرقام) كل طفل يحمل رقما داخل انبوب يحيط بمعصمه أو قدمه نفس هذا الرقم هو رقم ملفه في الدار، واذا رغبت في معرفة اسم احدهم فما عليك الا قراءة الاسم من داخل الانبوبة الموجود فيها الرقم وتلجأ ادارة الدار لهذا الاسلوب حتى لا يحدث اختلاط وتستطيع التمييز بين هذا وذاك.
احدى المشرفات كانت تحمل طفلا يبدو عليه الاعياء الشديد فالحمى الشديدة كانت تضرب حصاراً حول جسده النحيل و(الاسهال) يمتص كل ما يدخل معدته ليعيد اخراجه، سألتها عن اسمه وقصته فرفعت قدمه لتعرف من هو ؟؟!.
لقد كانت تبحث عن اسمه داخل الانبوب الملتف حول قدمه.
عصمت داخل العنبر
تابعت رحلة الصغير (عصمت) ما بين غرفة الاستلام والاشراف الطبي واخذ العينات وفصيلة الدم وغيرها من الاجراءت الاولية حتى نظافته وتحضير وجبة الحليب الاولى له لتكون هي رضعته الصناعية عوضاً عن حليب أمه الأول.
هكذا يتواصل ظلم هذا الصغير من والديه وها هو الآن يفقد القيمة الغذائية العالية لحليب الام الاول والمعروف باسم ((اللبى)) وما به من فيتامينات وعوضاً عن كل هذا يكون نصيبه رضعه من اناء بلاستيكي تحمله سيدة لا تمت له بصلة عرق او دم. فقط هن موظفات يقمن بمهمة انسانية لا تقدر بثمن .
واصلت مع الصغير عصمت رحلته حتى العنبر حيث انضم لبقية اشقائه الذين يماثلونه في العمر وهم حوالي (60) مقسمين على ثلاثة عنابر العنبر الواحد به مشرفتان وتوجد بالدار (18عنبرا).
معمل الحليب
اهم جزء رغبت في زيارته في الدار كان معمل (الحليب) وقد رأيت فيه ما يسر النظر.. تعقيم متكامل، غلى متواصل للرضاعات كل (بزازة) عليها ديباجة باسم الطفل ونوع الحليب حتى لا يحدث اختلاط.
وقد علمت منهم أن حديثي الولادة يشربون ما يعادل (8) رضعات في اليوم وتتناقص عدد الرضعات مع زيادة العمر وان (الحلمات ) الصناعية التي تتسع فتحتها تتبدل فورا حتى لا تشرق الطفل.
اما (البزازة) التي تخرج مع الطفل إلى المستشفى (اذا كان مريضا ) فتباد فورا ولا يتم استعمالها مرة اخرى عقب عودته من المستشفي .

الاطفال الخُدَّج
في عنبر الاطفال الخدج المأساة تمشي على قدمين أحجام متباينة، الرأس اكبر من الجسد، ضمور في النمو وفشل في الحواس واعياء وهزال وتخلف عقلي وبدني ومجموعة من امراض الطفولة تفتك بالعقول وتشل الاطراف وتجعل ايًّا منهم صورة مبكرة لموت سريري .
الوضع يكشف بوضوح عورة ذويهم حينما حرموهم من حق الالتصاق بأسمائهم، حرموهم ايضا من حقهم في أن يخرجوا للعالم اصحاء اشداء اقوياء.
اخبرتني المشرفة أن امهات هؤلاء (الخدج ) لا يدخرن وسعا في سبيل اسقاط هذا (الحمل) عن طريق الحبوب والحقن ونط الحبل وغيرها من الاساليب المحرمة لإسقاط خطيئتهن التي لا ذنب لذلك الجنين فيها فيحدث تلف للطفل وهو في مرحلة التكوين.
كما يولد هؤلاء الاطفال في ظروف سيئة, احيانا تكون (الصرة) مربوطة خطأ او مقطوعة، ووزنهم اقل من(2 ) كيلو واحيانا يظلون تحت اشعة الشمس بجانب صندوق نفايات, ولا يسمع صوتهم الا بصعوبة, واحيانا تأكل الكلاب يد احدهم او قدمه او رأسه .
جزء منهم يموت بفعل الجفاف، او سوء التغذية او ضربة شمس، او نتيجة للطريقة العشوائية للتخلص منهم، كما انهم قد عاشوا اسوأ اللحظات منذ معرفة امهاتهم بحملهم وحتى ولادتهم .
وقد لاحظت في معظم عنابر دار المايقوما أن الاطفال جميعهم يرضعون او (يمصون) اصابعهم.

جولة في العنابر
جولتي في العنابر كشفت قصورا واضحا واهمالا تاما في الاعتناء بالاطفال، واسقاطا كبيرا لمبدأ النظافة من منظومة العمل .
وقد كنت شاهد عيان على طفلة في الرابعة من عمرها قد (تبرزت) وهي مستيقظة في سريرها الذي تنام عليه، ثم قامت بتلطيخ كل اجزاء السرير وجوانبه واسواره الحديدية بذلك (البراز) وواصلت مهمتها في أن دهنت جسدها ايضا به.
كل هذا يحدث وعلى بعد خطوات منها صينية الغداء بها (حساء) مضافا اليه (الارز) يأكل منه اشقاؤها في العنبر بينما الذباب يسيطر على الموقف ويقيم حفلا راقصا وينتشر في كل ارجاء المكان، يحمل في اقدامه من (براز) الصغيرة ليضعه داخل صينية الاكل.
قمت عندها من فوري بتبليغ مديرة الدار بتلك الحادثة فأصدرت اوامرها فورا بحمل الصغيرة وتنظيفها وتغيير مهدها وتنظيف العنبر والسرير مع خصم مرتب بقيمة ثلاثة ايام من الموظفة المسئولة .

وتتوالى الخصومات

وفي جولتي بغرفة (المطبخ) وجدت ايضا أن الذباب عضو اساسي في نقابة الخضروات....؟ ورئيس مجلس ادارات كل الاواني في المطبخ.؟؟
احدى المشرفات صحبتني في جولتي داخل المطبخ وهي تشرح لي كيفية تحضير الوجبات، والجدول المتبع والتنوع في استعمال الخضروات والفواكه حتى ينعم الاطفال بتوازن مثالي في النمو يعوضهم حرمان فترة الحمل .
وبينما كنت اواصل جولتي معها لفت نظري (وعاء طبخ) ضخم موضوع بجانب (البوتجاز) فوجدت (ذبابة) تسبح داخل (الوعاء) ففغرت فاهي دهشة وقلت لها "ما هذا؟" فأجابتني وهي تسكب محتويات (الاناء) في حوض الغسيل ( ده اصلا باقي وجبة وكنا حا ندفقه)؟؟؟
فنقلت ملاحظتي هذه ايضا لمديرة الدار التي امرت بخصم راتب ثلاثة ايام من المسئولة .
وهنا ...احسست بغضب واستياء من بعض الامهات والمشرفات تجاهي، وحقيقة الامر اني لم اقم بزيارة الدار من اجل فرض عقوبات على المشرفات, ولا اعتقد أن ما قامت به المديرة هو الحل الامثل لهذه المشكلة.
فالشاهد أن قضية المايقوما اكبر من طاقة هؤلاء المشرفات، إنها قضية وطن وأزمة ضمير.
فعدد الاطفال والوفيات وسطهم في تزايد مخيف، وغالبية الاطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة حيث عقاقير الاجهاض تلعب دورها في الفتك بتكوينهم الجسماني والعقلي معا، وعدد المشرفات في العنابر قليل مقارنة مع عدد الاطفال، حيث أن المشرفة تقوم بإرضاع الطفل ونظافته وتغيير ملابسه وحفاضه ووضعه في مهده حتى ينام، ثم تقوم بنفس المهمة مع الطفل الثاني وهكذا حتى تصل الطفل رقم (15) حينها يكون الطفل رقم (1) قد بدأ نوبة من البكاء تتواصل لمدة نصف ساعة حتى يحين دوره مرة اخرى .
إن المشرفات والامهات في الدار يعملن في ظروف سيئة، ومرتباتهن ضئيلة لا تسد رمقهن ولا تكفي حاجتهن .
احدى الموظفات شكت من شح في (صرف) الصابون الذي يستعملنه لغسيل الاطفال حيث تصرف (صابونة) واحدة لكل 20 طفلا، وهو ما يجعلهن احيانا يتغاضين عن غسل الاطفال، ولا يغّيرن الحفاضات الا بعد وقت طويل يكون فيه الحفاض قد ابتل بالكامل وتسرب منه ما تسرب إلى ملابس الطفل ومهده.

غرفة الغسيل والكي

في دار المايقوما غرفة ضخمة للغسيل والكي والتعقيم يعمل بها عدد ضخم من العمال وتضم كميات ضخمة من الغسالات الـ(فل اتوماتيك) ويتم تعقيم الملابس وكيها عبر نظام دوريات.
ورغم الاهتمام الكبير في هذا الجانب الا أن الاخطاء الكثيرة تمد لسانها، فـ(البشاكير) منشورة على الجدران المتسخة مما يعرضها للأتربة والتلوث والجراثيم وربما الحشرات.
واثناء وقوفي بجانب غرفة الغسيل تابعت احد العمال وهو يحمل ما جفّ من اغطية وملابس ويضعها داخل سلة ضخمة ويحملها ويحملها في عربة (درداقة) أكل عليها الزمان وشرب، تابعته حتى وصل احد العنابر وقذف بمحتويات السلة على الارض وبذلك تعرضت الملابس للتلوث للمرة الثالثة على التوالي، مرة بنشرها على الجدران ومرة بحملها داخل (درداقة) قذرة ومرة ثالثة بقذفها بلا مبالاة على الارض.

اضاءات في الدار
اجمل ما في الدار مبنى من طابقين هدية من الشعب الياباني، ومجموعة حديثة من غسالات الملابس باهظة الثمن هدية ايضا من احدى المنظمات, اما جزء كبير من الحليب والعصير والزبادي فهو يأتي من احد رجال الاعمال المعروفين وهو يدعم الدار بانتظام.
وقد شاهدت واثناء وجودي احدى سياراته العملاقة المجهزة في شكل ثلاجات وهي تفرغ حمولتها من الحليب والعصير.


 

الأطفال الجانحون.. جرائم مع سبق الإصرار

الثلاثاء, 25 نوفمبر 2014 13:39 صفحات متخصصة - تحقيق
طباعة PDF

الأطفال الجانحون.. جرائم مع سبق الإصرار
* وحدة حماية الأُسرة والطفل: الجنوح هو سلوك مضاد للمجتمع يقوم على الصراع بين الفرد ونفسه، وبينه والمجتمع..
* باحثة اجتماعية: الحروب والنزوح والتفكك الأسري والطلاق أسباب تقود لجنوح الأطفال
* مجلس الطفولة: نتبنَّى هؤلاء الأطفال بالشراكة مع جهات أجنبية ووطنية
الخرطوم : بخيتة تاج السر
(الأطفال الجانحون)، ما أن يرد هذا الاسم إلا ويتساءل البعض عن المقصود بـ(الجنوح)؟ والإجابة بحسب مُختصين: هو قيام طفل يقلُّ عمره عن سن الـ(15) عاماً بأعمال لا يقبلها المجتمع وتتنافى مع الشرع والقانون والأخلاق مثل السرقة، الهروب من المدرسة ومجالسة رُفقاء السوء وغير ذلك من أفعال مُشابهة.
لكن يبدو أن الأمر ذهب لأبعد من ذلك كثيراً حيث إن (جنوح الأطفال) في السودان وصل مرحلة أن يقتل الطفل زميله، ودونكم قصص متعدِّدة منها على سبيل المثال لا الحصر، حادثة طالب الأساس الذي لقي مصرعه نتيجة لـ(لكمة) قاضية سددها له زميله داخل حرم مدرسة بضاحية عد بابكر بمحلية شرق النيل فأودت بحياته في الحال.
قتل عمد..!!
وحتى لا يظُن البعض أنَّ (جنوحَ الأطفال) خاصية انفردت  بها العاصمة الخرطوم وحدها، نحيلكم إلى ولاية الجزيرة وفيها صوَّب طالب يدرس بمرحلة الأساس ولم يتعدَّ عمره العشر سنوات؛ (طوبة) التقطها من الأرض وضرب بها زميل بالمدرسة يصغره بعام، في صدره وتسبب في وفاته جراء الضربة القوية التي تلقاها وأدت إلى إحداث تهتك ونزيف دموي بالرئة، وذلك بحي الإنقاذ – أحد أحياء عاصمة الولاية ود مدني- وفشلت محاولات إسعافه ليلقى مصرعه متأثراً بجراحه.
وبالبحث عن العقوبات التي يلقاها مثل هؤلاء الأطفال وجدنا أنه على سبيل المثال في قضية طفل شرق النيل أوقفت الشرطة الطفل – طالب الأساس- أو (الجاني) كما يُسمَّى وفقاً للقانون؛  قالت مصادر شرطية أنه تم إلقاء القبض على المتهم الذي سجل اعترافًا قضائيًا بارتكاب الجريمة، وتم على الفور تدوين بلاغ في مواجهته تحت المادة (130)، لكنه تم إطلاق سراحه بالضمان لحداثة سنه.
درجات الجنوح
وبالطبع فإنَّ جرائم ما دون القتل الواقعة من هؤلاء الأطفال الجانحين لا تحصى ولا تُعد وهذا ما دفع (السوداني) للبحث في الموضوع. تقول رئيسة شعبة البحوث والتدريب بوحدة حماية الأسرة والطفل، مُقدِّم شرطة د. منال عبد الرحيم محمد عمر: الجنوح هو سلوك مضاد للمجتمع يقوم على عدم التوافق وعلى الصراع بين الفرد ونفسه وبين الفرد والمجتمع، وبناء على ذلك فالطفل الذي يرتكب سلوكاً مرفوضاً أو مضاداً للمجتمع لمرة واحدة ليس بالضرورة أن يكون طفلاً جانحاً كما أن هنالك أطفالاً صدرت ضدهم أحكاماً برغم أنهم لم يكونوا جانحين، وهناك ثلاث محطات لابد من توفرها قبل تصنيفه حسب  السلوك بأنه جانح : شرط الخطورة في السلوك. استمرار السلوك وتكراره. الاتجاه العدواني في السلوك نحو المجتمع والنظم السائده، والطفل الجانح غالباً مايتعرض لمؤثرات بيئية أو علاقة والديه وطرق تربيته غير سوية مما يؤدي إلى تعليمه مجموعة عادات واتجاهات توجهه في مسارات مضادة للمجتمع والعدوان على الآخرين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بشرط أن يتكرر ذلك، ومن أسباب وأشكال الجنوح عند الأطفال لا يصح استخدام مصطلح (الطفل الجانح) بدلالة عامة لتشير لنموذج معين إذ إن هناك نماذج شخصية مختلفة وعديدة للجنوح ولكل شخصية مشكلتها المختلفة وظروفها المختلفة وسماتها الخاصة، وبالتالي هذا المصطلح ليست لديه دلالة تشخيصية بالمعنى الدقيق ومن أهم أسباب الجنوح الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل بالإضافة للميول والسمات الشخصية بحيث يكون السلوك تنفيساً لمشاعر عدوانية، كما يحدث أيضاً لحل بعض الصراعات العاطفية، ومن نماذج الجانحين المعاق والتخلف العقلي، الذي يفتقر أو تنقصه المهارات الاجتماعية، التوجيه الخاطئ من الأسرة والمهارات الوالدية الضعيفة، الحرمان من الرعاية الوالدية بسبب النشأة في مؤسسات الرعاية، والاضطرابات النفسية للجانح أو والديه.
عصيان طفولي..!!
وتمضي رئيسة شعبة البحوث والتدريب بوحدة حماية الأسرة والطفل، في إفاداتها لـ(السوداني) قائلة: هنالك عدّة أمثلة لسلوك الجانح منها السرقة والتزوير والتنمر، الهروب من البيت أو المدرسة، تدمير الممتلكات العامة والخاصة ( الحريق) العصيان والتحدي المتطرف للوالدين أو لأي سلطة (المعلمين ومدراء المدارس) ، والقسوة وإيذاء الأطفال الأصغر سناً والحيوانات والسلوك الخارج عن المألوف ، تعاطي الكحول والمخدرات.
أما العمر الذي يبدأ منه الميل للجنوح فيبدأ بنهاية مرحلة الطفولة المبكرة الفترة العمرية بين ( 8-12) سنة وذلك ينتج عن تربية الوالدين الخاطئه الرفض وعدم تقبل الطفل بسبب عيوب (إعاقات) ، الحماية الزائدة وعدم الثبات في المعاملة (العقاب والثواب)، عدم العدل في معاملة الأبناء ( التميز الذي يحدث حقد بين الإخوان) ، تغذية المشاعر العدوانية لدى الطفل بمشاهدة الضرب يبن الآباء كوسيلة لحل المشكلات حين يتعلم الطفل بالتقليد ، التجارب المؤلمة التي يمر بها الطفل في السنوات الأولى من حياته (انفصال والديه – الاستغلال – العنف – الإهمال ) عوامل أخرى مثل تدني المستوى المعيشي الذي يرتبط بعدم وجود رقابة على الطفل، الصراع الثقافي.
دار الأشبال
وللوقوف على الدور الذي يلعبه المجلس القومي لرعاية الطفولة في قضية الأطفال الجانحين التقت (السوداني) الأستاذة  بدرية إلياس موسى من المجلس القومي لرعاية الطفولة فقالت إنهم يعملون على تبني هؤلاء الأطفال بالشراكة مع الجهات المختلفة (أجنبية ووطنية) بعد منحها تصديقاً من حكومة الولاية. مشيرة إلى اهتمامهم بقضايا الأطفال الجانحين من خلال رعايتهم بدار الأشبال ببحري والجريف. وذلك بتحسين الخدمات البيئية بدور الأشبال المختلفة ومطالبة السلطة القضائية بضرورة تحقيق الحرية للأطفال الجانحين وإحالتهم بعيداً عن الجهات القضائية والنيابة والمحكمة بما يتفق مع العدالة وتحسين معيشة الأطفال داخل المراكز من خلال تحسين خدمات الدور وترقية البيئة.
(.....) هذه أسباب جنوح الأطفال
ولتناول الموضوع من الزاوية الاجتماعية تحدثنا إلى باحثة علم الاجتماع ثريا إبراهيم الحاج والتي ابتدرت حديثها قائلة : توجد أسباب أساسية لجنوح الأطفال أهمها النزوح والحروبات ومشكلات الولايات بالإضافة للعوامل الطبيعية التي تمر بها الأسر وبنزوح بعض الأسر تفقد المأوى والخدمات الأساسية التي تحتاجها مما يؤدي إلى الفاقد التربوي والفقر، بالإضافة للتفكك الأسري مما يجعل الطفل يدمن (المخدرات) وينحرف سلوكياً وفي حالة طلاق الوالدين لابد أن يكون الطرفان حريصين على حقوق أطفالهما فعدم استقرار الأسرة وتشتتها يؤدي إلى (الاضطراب النفسي للطفل) مما يجعله يقع في أخطاء تقوده للإصلاحية، كما يجب على الأسرة متابعة أطفالها وأصدقائهم (أصحاب السوء) مع مراعاة الفارق العمري فلا يمكن لطفل في الخامسة من عمره أن يصادق طفلاً في الثامنة ويتوجب على المدرسة أيضاً الإشراف على الأطفال ومراقبة المراهقين وعدم معاملتهم بعنف، وتكون مسؤولية مراقبة الأطفال مشتركة بين (الأسرة -المدرسة - المناهج التي تدرس)  فهذه الأطراف جميعها تؤثر على شخصية الطفل والمعاملة السيئة للطفل من قبل الأساتذة  تقوده للوقوع في الخطأ  فبهروبه من المدرسة يصبح (فاقداً تربوياً) الأمر الذي يقوده للجنوح.
الوقاية خيرٌ من العلاج
آخر الأسئلة التي حاولنا أن نبحث لها عن إجابة في هذا الموضوع: ما هي الوسائل الواجب اتباعها للوقاية من الجنوح؟ الإجابة حسبما قالت رئيسة شعبة البحوث والتدريب بوحدة حماية الأسرة والطفل، مُقدَّم شرطة د. منال عبد الرحيم محمد عمر لـ(السوداني) هي: التنشئة الاجتماعية السليمة التي تقوم على التفاعل الاجتماعي الصحي وتهدف إلى تعليم الأطفال متمثلة في أنماط السلوك والمعايير والقيم، وتهيئة بيئة المدارس لتصبح جاذبة، تسليح المعلمين بالمهارات اللازمه للتعامل مع الأطفال وتدريبهم على الأساليب التدريبية وتعديل المناهج الدراسية لتحفز البناء والتطور السليم لشخصية الطفل وتعليمه مهارات الحياه، توفير برامج للأطفال لامتصاص طاقتهم وتوجيهها بطريقة سليمة تلبي احتياجاتهم الجسدية والفكرية والروحية، الاهتمام بالرعاية الصحية النطقية والاجتماعية للأطفال من خلال تدريب الآباء والأمهات على  طرق الرعاية الجيدة، تدريب المعلمين والأطفال أنفسهم على كيفية حماية أنفسهم والتعبير عنها والتنفيس عن مشاعرهم السلبية بطرق صحيحة إنشاء مراكز تأهيل الزوجين، وضرورة وجود الاختصاصي النفسي والباحث الاجتماعي في المدارس مع الاهتمام بتدريبهم وتطوير مهاراتهم ومعرفتهم في مجال نمو وحماية الاطفال، ضرورة  تدريب العاملين في مجال حماية الطفولة خاصة في مربع العدالة ( الشرطة - النيابة – قضاة – منظمات المجتمع المدني ) على حقوق الطفل وخاصة الأطفال في تماس مع القانون، توجيه وسائل الإعلام لتفادي عرض مواد العنف أو التشجيع عليه.





 

الأطباء الشباب.. بين مطرقة الانتقاد وسندان الهجرة

الأحد, 23 نوفمبر 2014 12:58 صفحات متخصصة - تحقيق
طباعة PDF

الأط اء الشباب..
بين مطرقة الانتقاد وسندان الهجرة
* مواطنة : بصراحة انا لا أثق في صغار الأطباء لأنهم يفتقدون الخبرة
* طبيب امتياز : الأطباء الذين تنتقدونهم يتناولون افطارهم من مالهم كـ(شيرنق)
* طبيبة: شئنا أم أبينا فأطباء الامتياز هم الأغلبية في المستشفيات الحكومية والتعليمية
الخرطوم: إيمان كمال الدين

بقرية نائية وتحت ظل شجرة (نيم) وريفة كان مصطفى الشهير بـ(بوكَر) يشكو بثه للحضور من الحال الذي آلت إليه (المشافي)، بعد (تسونامي) الهجرة الذي ضرب بلادنا بلا رحمة، وجعل جُل الكفاءات أن لم نقُل كلها في عداد المغتربين. قال (بوكر) : (المستشفيات عِدْمَت الدكاترة إلا شوية شُفَّع – يقصد الاطباء الشباب-المريض لو شافهم بِغيِر رايو من العلاج وبِقْبَل بالمرض). (بوكر) عندما أباح برأيه كان يعلم بوجود طبيب شاب اسمه محمد علي، وبالطبع فالدكتور لم يعجبه كلام الرَّجُل فردَّ بأدب ممزوج بـ(زعل) واضح: ثقْ يا عم أن الدكاترة (الشُّفَع) الما راضي بيهم ديل هُمْ زاتهم ما راضيانين بيكم، بس بكمِّلوا في اجراءات سفرهم يعني بعد شوية حا تمشي المستشفيات وما تلقى إلا الحيطان – جمع حيطة).
عامل الثقة
من القصة الحقيقية الواردة في المُقدِّمة يتضح لنا أن (أمر الصحة) في بلادنا التي تكالبت عليها العِلل من كل حدبٍ وصوب، فهى مُصاب من جهتين الأولى عدم رضا كثير من المرضى وأهليهم بفراغ المستشفيات من كبار الاطباء (الخبرات)، أما الجهة الثانية فهى أن الأطباء الشباب (امتياز وعموميين) الذين ينتقدهم البعض هُمْ أنفسهم لا يفصل بين الهجرة إلا تكملة اجراءاتها – أى اجراءات الهجرة.
وتقول المواطنة (إحسان) لـ(السوداني) : بصراحة انا لا أثق في صغار الأطباء لأنهم يفتقدون للخبرة بدءاً بتقني المختبر الذي يقوم بالتحاليل والفحوصات، وحتى الصيدلي قليل الخبرة، وذلك لأنني اعتدت التعامل مع الإستشاريين وكبار الاختصاصيين وأصحاب الخبرة في الكادر الطبي.
وتوافقها في الرأي خريجة اكتفت بذكر الاسم لها (رهف) حيث قالت لـ(السوداني): إنها لزمت فراش المرض شهورا عديدة بسبب خطأ في التحليل والفحوصات، والمصيبة التي اكتشفتها أن من قامت بعمل الفحوصات لي طالبة ما زالت تدرس بإحدى كليات المختبرات الطبية ولم تنل شهادتها بعد.
ظلم الحسن والحسين
معظم من تحدثوا الينا من المواطنين ابدوا تخوفهم من هجرة كبار الاطباء والاستعاضة عنهم باطباء الامتياز وغيرهم من حديثي التجربة، لكن يبقى السؤال الاساسي هل يعمل هؤلاء الاطباء الذين ينتقدهم الكثيرون في ظل ظروف جيدة تحفزهم على الابداع؟ د. محمد حسين أحمد اجاب في حديثه لـ(السوداني) بالنفى واضاف: إن الطبيب يتفاجأ بعد التخرج بـ(6) أشهر الى سنة (فترة عطالة)، أما في فترة الامتياز فالمرتب ما بين(500_800) جنيه وبعد سنة الامتياز لن يكون لديك مرتب وستؤدي بعدها الخدمة الوطنية وهي مأساة للأطباء والرجال تحديدًا وهذا بالنسبة لتوزيعهم . هذا إضافة إلى أن بيئة العمل سيئة جدًا في المستشفيات الحكومية، حيث لا توجد أي إمكانيات ومعظم من يأتيها يكون تحت خط الفقر بمراحل، لدرجة أن الأطباء في النبطشية لا يتناولون إفطارهم يدفعون من مالهم (شيرنق) للمرضى وفحوصاتهم وأصبح هذا روتينا ثابتا. فحتى الملفات التي تعطى للمريض صارت بقروش. وهنا كطبيب عمومي، أو اختصاصي أقصى ما يمكن أن أصل له في مرتبي مليون ونص. ويضيف بحدة: راتب العمومي في السعودية يساوي راتب العمومي هنا 15 مرة، وراتب الاختصاصي هناك يعادل مرتب زميله هنا 30 مرة. وقال في السابق كان المرء يصبر على أساس وجود منحة للتخصص وحاليًا المنح متوقفة. والتخصص الآن يكلف ما لا يقل عن 30 مليون جنيه.
وبالطبع يمكن للطبيب يقبل بالعمل هنا لو وجد قليلا من التقييم من ناحية إنسانية حتى ولو من قبل المجتمع لكان هناك دافع للبقاء لكن الطبيب هنا غير مقيم، هناك حرب ضد الأطباء بصورة عامة لها علاقة بإضطراب النواب في 2010، والتي كانت بها مطالب منها: إصلاح بيئة العمل/ العلاج المجاني/أوضاع الأطباء. وللأسف بعدها صارت حملة منظمة لتضخيم أخطاء الأطباء، وصار الأطباء والطبيبات يضربون في الحوادث من قبل المرافقين لأسباب لا علاقة لهم بها، فأنا كطبيب في النهاية مهمتي ليست أكثر من تشخيص الحالة وكتابة العلاج، لكن تجد طبيبا يضرب لعدم وجود الدواء في الصيدلية..! على الناس أن تفرق بين الأخطاء الإدارية والطبية.
الأغلبية (الميكانيكية)
إذاً فبين هجرة الاطباء القدامى وعدم ثقة البعض في الاطباء الجدد يتجه أمر صحة المواطن في بلادنا الى مصير لا يعلمه إلا الله. وتقول لـ(السوداني) طبيبة - مُفضِّلة عدم ذكر اسمها - : شئنا أم أبينا فأطباء الأمتياز هم الأغلبية في المستشفيات الحكومية والتعليمية فمثلا مستشفى أطفال تكون في أربع وحدات كل وحدة يكون فيها اختصاصي ونائب واحد أو أثنان وأطباء الامتياز يكونون في الوحدة (6_ 14) طبيب وهم القوة العاملة والأغلبية وكل الجهد يقع عليهم.
وحول مدى كفاءتهم في أداء الخدمات العلاجية والطبية تقول إن كفاءتهم تصل الى نسبة 60% تلك ناحية أما الاخرى فهى أن طبيب الامتياز عادة يكون فوقه ثلاثة مشرفين هم الطبيب العمومي، نائب الاختصاصي والاختصاصي. ولكن يكون الخلل في إمكانية توفر نائب الاختصاصي المسؤول مباشرة عن طبيب الامتياز فبعضهم لا يتوفر بالقدر الكافي ويكون بعيدا عن الحوادث وهذه واحدة من أسباب الخلل، ونقول بعضهم فأنا عملت في 6 مستشفيات اثنين منها ما كان النائب متوفرا وواحد لم يكن هناك نائب أصًلا بالرغم من كونه مستشفى حكوميا كبيرا. والناس غالبا ما تظلم في هذه النواحي طبيب الامتياز مع العلم أننا لو أمعنا النظر لوجدنا أن المستشفيات الحكومية غير مؤهلة وتفتقد لبعض المعينات مثل أدوية الحوادث والطوارئ وهذه المعينات تشح في المستشفيات الحكومية ورغم توفرها في نظيراتها العسكرية. وتختم حديثها بأنها أيضًا ستهاجر وأنه لم يتبق من دفعتها سوى خمسة فقط والمكونة من قرابة الثمانين طبيبا، واثنان فقط من الخمسة وضعهم جيد جدًا.
على الدرب سائرون
لكن اختصاصي البصريات بمنظمة مدى الإبصار بمكة المكرمة وليد إدريس عبد الله قال لـ(السوداني) في معرض حديثه عن صغار الأطباء: لا أظنهم مؤهلين ليكونوا موضع ثقة فالخبرة لها أثر فعال ولا أعلم أحدا بقي في السودان من ذوي الخبرة من جيلنا وحتى من الأجيال المتأخرة فالطلب كثير ولا أخفيك إن قلت لك إن المؤسسة التي أعمل فيها تريد استقدام زملائنا ولم نجد لهم لا من القدامى ولا من المتخرجين حديثا وأغلب من بقي في السودان في القطاع الخاص وفي المستشفيات الحكومية هم زميلاتنا من العناصر النسائية بحكم ظروفهن وقد استأثرت ذوات الخبرة منهن بالوظائف الحكومية ليبقى القطاع الخاص لقليلات الخبرة وحديثات التخرج.
وبالطبع فالسؤال المهم هنا هل بقى هؤلاء الشباب للعمل بالسودان رغم تحفظات البعض على خبرتهم؟ الاجابة لا والبراهين كثيرة منها دكتورة (رشا) والتي هاجرت مباشرة بعد فترة الإمتياز واضافت لـ(السوداني): أسباب هجرتنا ليست مادية في المقام الأول فالطبيب بحاجة إلى تطوير نفسه. أما عن فترة الامتياز وعن كون صغار الأطباء قد لا يكونون مؤهلين بالقدر الكافي لتقديم الخدمات العلاجية فقالت: فترة الإمتياز هي اجتهاد شخصي والمنظومة في المستشفى لا يوجد طبيب امتياز يأخذ قرارا لوحده تجاه المريض مهما كان الوضع سيئا يكون هناك اختصاصي مؤهل اكبر منه متابع لقراراته.
وحكت لنا دكتورة رشا قصصا واقعية كثيرة قالت انها شهدت تفاصيلها بنفسها منها قصة الطبيب البارع الذي لم توفر له الدولة أكثر من مليون (بالقديم) كمرتب شهر وخلال فترة وجيزة جداً اتاه عقد عمل من المملكة العربية السعودية مقابل راتب شهري يقترب من الـ(45) مليون جنيه.
وايضاً كان عندنا مريضة بسرطان الدم حيث صادف عدم وجود طبيب في الخرطوم يعالجها لسببين الاول انه اصلا لا يوجد اختصاصيو اورام لان احدهما سافر والآخر كان في اجازة زواج، فالذي حدث هو انه تم ترحيل المريضة للطبيبة الثالثة في مدني فكانت هى الثالثة غائبة بسبب انها في اجازة وضوع. واضافت : هذا هو الوضع في السودان، والوزارة مسؤولة في المقام الاول، فالذي يحدث الآن ليس بسبب اننا بلد فقير، وانما ناتج لسوء ادارتنا فالوزارة يبدو انها لا تهش ولا تنش في كل ما يحصل امامها رغم انها المسؤول الاول والاخير.
خيار صعب
ويقول د. عبد الله محمد عبد الله اختصاصي الأشعة والموجات الصوتية بالمركز القومي للعلاج بالأشعة والطب النووي لـ(السوداني): إن واقع هجرة الاطباء من بلادنا يكشفه (ثيرمومتر) محدد هو أننا في كلية الطب كنا (250) طالب، الموجود منهم الآن بالسودان فقط (10) اطباء أما البقية فقد حزموا امتعتهم وجاهروا في كل بلاد العالم. وأضاف: حتى نكون منصفين هناك آثار سلبية وآثار إيجابية لهجرة الكوادر الطبية والتي تزايدات بصورة مخيفة في الآونة الأخيرة. أولًا أدى ذلك إلى تناقص عدد الكوادر التي تؤدي الخدمات الطبية وجزء كبير جدًا من المستشفيات أصبح فارغة، رغم أن كليات الطب تخرج سنويًا أعدادا من الأطباء في مختلف المجالات. حيث نجد انه يهاجر أطباء في مختلف الدرجات، كبار اختصاصيين/رؤساء الأقسام في المستشفيات وهذا أمر لا يحدث إلا في السودان فقط، يترك رئيس قسم وحدته ويهاجر. وكذلك النواب أثناء التخصص/ الأطباء العمومون ولخبرتهم فهم أحد أعمدة الخدمات الطبية التي تقدم. إضف إلى ذلك انعدام الخبرة التراكمية للكوادر الجديدة التي تستلم مهامهم، كما أن تأهيلها الأكاديمي والعملي يكون غير كاف لتقديم الخدمات الطبية للمريض وبالتالي ينعكس دوره سلبًا على أداء الخدمة.
ومن الآثار السالبة ما ينعكس أثرها على الطبيب نفسه فكثيرٌ ممن هاجر كان مكرهاً ففي السعودية تحديدًا يعمل بعضهم في أماكن طرفية ريفية أو شبه ريفية وتكون هناك معرفة أقل بكثير من تأهيلهم الأكاديمي وبمرور الوقت يؤثر ذلك على كفاءتهم المهنية وعلى مستواهم الأكاديمي.
ومن الآثار السالبة المترتبة على هذه الهجرة هي عدم تواصل الأجيال فالطب مجال يعتمد على التلقي فسلسلة التعليم تكون قد انقطعت، لكم أن تتخيلوا مثلًا ، رئيس قسم في أعرق كليات الطب في السودان، سابقًا كان في القسم عدد كبير جدًا من البروفيسرات، مع خبرة أقلها 30 عام، وحملة الدكتوارة وبسبب هجرتهم لا يوجد من يرأس القسم إلا من حملة الماجستير، فتخيلوا أثر ذلك على الأداء الأكاديمي في الكلية. وهذا الأمر لا ينسحب على الأطباء فقط بل يشمل كل من يقدم خدمات طبية في السودان.
ويضيف د.عبدالله قائلًا: أما الإيجابيات فهي تحسين الوضع المعيشي المتردي للغاية،90% ممن هاجروا كان سببهم الرئيسي ضعف الدخل. فالطبيب هنا يعتمد على مرتب المستشفى إضافة إلى القرارات الجديدة التي تكون ملزمة للطبيب بالوجود أثناء ساعات الدوام الحكومي وعدم التواجد في مستشفى خاص، لكن المرتب الحكومي ضعيف جدًا والطبيب لديه إلتزامات إضافةً لحاجته للمال للتأهيل الأكاديمي لأن الوزارة في الغالب لم تعد تأهل أحدا. إضف إلى ذلك سوء البيئة التي تعمل فيها الكوادر الطبية وتردي الخدمات الصحية في الفترة الأخيرة، وإن كان سبب ذلك التردي العام للاقتصاد في السودان، المريض أمامك غير قادر وأنت عاجز عن المساعدة، مكدسين في المستشفيات، فحوصات غير مكتملة ، وضع مادي سيء، مستشفى لا يقدم خدمات، وليس للجميع القدرة على الذهاب لمستشفى خاص. فكل يوم هناك مستشفى مغلق، او آخر منقول.
ويختتم حديثهُ قائلًا: الله يصلح أحوال البلد وأن يكون المسؤولون أكثر جدية في معالجة المشاكل، وأن يتم النظر للجانب الإنساني من مشاكل الناس إضافة للمهني، وليس عن طريق الاجتماعات بل النزول إلى أرض الواقع، وليس إلزام الناس بالبقاء ووضع قيود على السفر بل العمل على تحسين الوضع.
لغة الأرقام
وفي ورقة عمل حول المتغيرات الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية في دول المهجر وانعكاساتها على المغتربين السودانين العاملين بالخارج (الواقع والحلول) التي أقيمت مؤخرا بقاعة الصداقة تحدث وكيل وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل أ/ الطاهر سليمان أيدام عن (تطور سوق العمل الخارجي وأثره على قدرة السودان التنافسية) حيث شملت الورقة إحصائيات عن هجرة الأطباء خلال السنوات 2008_ 2013.
تضمنت كل من المملكة العربية السعودية، الأمارات المتحدة، قطر ، الكويت، عمان وليبيا، ودول أخرى.
حيث بلغت جملة المهاجرين من الأطباء لهذه الدول وجاءت على النحو الآتي: في العام2008 م كان عدد المهاجرين من الاطباء (338) طبيباً وفي عام2009 م (471) طبيبا، وفي
2010 م (1297) طبيبا، وفي2011 م (1302)طبيبا، وفي 2012 (1720) طبيبا، وفي سنة2013(2251) طبيبا. وبلغت جملة المهاجرين للسعودية (6386) تليها ليبيا (528) وتلتها عمان (209) والإمارات (129)، قطر (12)، الكويت (7) ودول أخرى (8). وبلغت جملتها المهاجرين مجتمعة (7279) بزيادة بلغت (2251) من العام 2008 حتى العام 2013 بزيادة قدرها (565،9%).

 

الصفحة 1 من 27

<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>